فهرس الكتاب
قال الله تعالى:"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون" (1) ، ومعلوم أن صيغة"إنما"من أساليب الحصر، فقد حصرت الآية كمال الإيمان بتحقيق قاعدة عقدية هي الإيمان بالله ورسوله، والتعبير العملي عن صدق تقرر هذه القاعدة في القلب وذلك بالجهاد المالي والبدني في سبيل الله. فهل تساءلت أيها الطبيب المسلم عن موقعك من آيات الصدق هذه وأنت تتوسم منهج النبوة في حمل هذه المهنة الراقية والهوية السامية، أعني الطب والإسلام؟ ولقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبةٍ من نفاق" (2) ، ولا شك أن عموم قوله"من"يشمل الطبيب المسلم، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للتخلص من شعبة النفاق هذه وسيلةً من اثنتين؛ إما أن يغزو المرء وإما أن يحدِّث نفسه بالغزو. قلت: وتحديث النفس ليس بالتمني ولا بالتحلي، وإنما رغبة وهمة صادقة يدل عليها جهد ملموس في تحصيل مقدمات هذا المرغوب، فعادت المسألة إلى نفس الغزو، لأن من أراد الغزو وتمناه حقيقةً أخذ بأسبابه ومقدماته، فإما أن يوفق لنفس الفعل، وإما أن تتقاصر به الأسباب وتقصر به مشيئة الله عما أراد، فينطبق عليه وصف من حدَّث نفسه دون وصف من غزا، وتأمل مصداق هذا في قوله تعالى:"ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدةً ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين" (3) .
(1) سورة الحجرات - آية 15
(2) صحيح مسلم - كتاب الإمارة
(3) سورة التوبة - آية 46