فهرس الكتاب
وهذا لعمري ذروة سنام الإسلام وغاية العبودية لرب الأنام، والمقام هنا مقام الحديث عن خصوصيات مهنة الطبيب حيث يُحتاج إليه ميدانيًا لردء إخوانه المجاهدين في سبيل الله، يضمد جراحهم ويسعف مصابهم ويستنقذ أرواحهم ويتفانى في حفظ أجسادهم ليطول بذلهم لها في سبيل الله، فإن غاية مراد المجاهد أن يكون له النفس بعد النفس والجسد بعد الجسد ليبذل ذلك كله في سبيل الله مرات ومرات، تأمل معي حديث قائد المجاهدين وإمام الغُرِّ المحجلين صلوات الله وسلامه عليه:"والذي نفس محمدٍ بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأُقتل ثم أغزو فأُقتل ثم أغزو فأُقتل" (1) ، والشاهد أن المجاهد في سبيل الله يتردد بين شوقين، شوقٌ إلى لقاء الله وشوقٌ إلى إعادة بذل النفس في سبيل الله، فكلما استنقذ الطبيب من جسده شيئًا يجدد به بلاءه في سبيل الله، كلما كان متعاونًا مع المجاهد في سبيل تحقيق هذه الأشواق، وأي تعاونٍ على برٍ وتقوى أجلُّ من هذا، وأي معروفٍ تسديه لهذا الذي باع نفسه من الله تعالى أرفع من هذا، ألا فلتعلم أيها الطبيب المجاهد أنك في الميدان مع إخوانك الجرحى والمصابين من المجاهدين إنما تتردد بين ألوانٍ من الخير وتتنعم في خُرَفٍ من الجنة، فلئن كنت سببًا في استنقاذ طرفٍ من البتر فأنت على خير، ولئن بترت طرفًا مصابًا إنقاذًا لحياة الجريح المكلوم فقد كنت سببًا لسبق عضوٍ منه إلى الجنة بإذن الله تعالى فأنت على خير، ولئن استفرغت الوسع في استنقاذ حياة المجاهد فتفلتت منك روحه إلى بارئها فأنت شاهد على أعظم مشاهد العبودية في هذا الكون وأنت على خير، ألا طوبى لذاك الطبيب الذي يتقلب فيما يراه الناس ويحسبونه الدم والأشلاء في حين أن حقيقته جنة الله في الأرض وعاجل بشرى المؤمن تحت بارقة السيوف، اللون لون الدم نعم ولكن الريح ريح المسك، المشهد غبارٌ ونقعٌ نعم ولكن في حس المجاهد ريحٌ تهب من تلقاء الجنة، ذلك
(1) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - حديث 3484