فهرس الكتاب
عدم كتم العلم: ... ... ... ... ... ... ... ... فالعلم إنما يسره الله تعالى لينتشر بين الناس فيعوه، ويهتدوا به إلى الحق وإلى طريق مستقيم فيلتزموه، فأصبح لزامًا علينا أن نعمل على نشر العلم الصحيح، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من سُئل عن علم علمه، ثم كتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (1) ، ولا يخفى مدى ذم وتوبيخ أهل الكتاب لكتمهم العلم الذي آتاهم الله تعالى:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لَتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا فبئس ما يشترون" (2) ، والثمن القليل الذي يسعى وراءه الطبيب بكتم علمه لا يخرج عن عرض من أعراض الدنيا وهوى من أهواء النفس المريضة؛ فهو يكتم علمه ليتفوق على زملائه أو ليحتكر صنعة يعرفها أو ليتفرد بمركز علمي ما، وهي أغراض لَعمري رخيصة في عين من يستحضر ميثاق الله تعالى الذي أخذه على أهل العلم الشرعي أصالةً - وعندي أن أهل كل علم مشروع يدخلون فيه تبعًا- فاحذر أيها الطبيب المسلم من نكث العهد ومن استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، واعلم أن هذا الأصل يلازمك في شتى مراحل حياتك المهنية الطبية من مرحلة العلم والتعلم إلى مرحلة العمل والخبرة ، وإن شر العلماء من يحبسون علمهم ليموت بموتهم ويفقد بفقدهم. وأشير في هذا المقام إلى مدى الشطط الذي بلغته"الحضارة"الغربية فيما اصطلحوه من"حقوق التأليف والاختراع"بحيث صارت بعض العلوم محتكرة على أصحابها رغم شدة حاجة الناس إليها، ولست أنكر حق المخترع والمؤلف بالكلية وإنما أشير إلى روعة الإسلام في إهدار النفع الخاص عندما تؤدي مراعاته إلى الضرر العام، وانظر على سبيل المثال احتكار شركات الدواء لحقوق تصنيع بعض الأدوية وبالتالي التحكم بأسعارها
(1) سنن الترمذي، وقال أبو عيسى:حديث حسن، وذكره الألباني في صحيح الترمذي
(2) سورة آل عمران - آية 187