فهرس الكتاب
إن من معالم هذه الحلية ودررها الثمينة مراعاة أن تطبيب الأبدان إنما شُرع حفاظًا على الأهم الذي تحويه هذه الأبدان أعني القلوب؛ فإنما أذنت الشريعة بمداواة البدن لا انشغالًا بالمادة عن الروح، ولا التهاءً بالدنيا عن الآخرة، وإنما تقويًا على رياضة القلب وتعهده بما يدفع الأمراض عنه، أعني أمراض العقيدة التي تفتك بالقلوب فتدعها صرعى ما بين مشهد نفاق أو شرك أو كفر بواح، ولكن تجد مع الأسف أنه كثيرًا ما ينهمك الطبيب والمريض في معالجة أسباب المرض البدني وآثاره الظاهرة، ويغفل أحدهما أو كلاهما عن تأمل مشهد الابتلاء في هذا المرض وعن ملاحظة جوانب الخير فيه، وإن من له أدنى إلمام بمهنة الطب يدرك أن هناك طائفةً من الأمراض التي لم نقف لها على علاج سببي بعد، مما يفضي بالبعض إلى توهم أن مشهد هذا المرض مشهد شرٍ محض لا خير فيه البتة، وهنا يكون دور الطبيب أساسيًا في تنبيه المريض إلى مظاهر ومعالم الخير في هذا الابتلاء، وأقول إن الطبيب الذي يقتصر في العلاج على تناول الأسباب المادية طبيبٌ مقصر مع مريضه مهما أتقن صنعته، ومهما تفانى في خدمة مريضه من جهة الأسباب، وأقول إن من واجب الطبيب الذي يشخص المرض ويصف الدواء ويوجه المريض إلى أسباب الاستشفاء أن ينبه المريض إلى مثل قوله تعالى:"ونبلوكم بالشر والخير فتنة" (1) ، وإلى قوله صلى الله عليه وسلم:"ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" (2) وقوله صلى الله عليه وسلم:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (3)
(1) سورة الأنبياء - آية 35
(2) سنن الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال أبو عيسى:حسن صحيح، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي وصحيح الجامع - برقم 5815- وفي صحيح الترغيب، وصحيح الأدب المفرد
(3) صحيح مسلم - كتاب الزهد والرقائق - رقم 5318