فهرس الكتاب
وحيث شُرِّد اليهود عن تلك الأرض، ودُمِّر المعبد المُتخَذ قِبلةً فيها دون أن يستطيعوا العودة إِليها أو إِعادة معبدها عبر ألفي عام، فهل يَسهُل عليهم بعد أن عادوا إِليها أن (يتنازلوا) عنها كلها أو بعضها لقوم آخرين يريدون أن يتخذوها عاصمة؟ هل سيقدِّم اليهود هذه المدينة التي انتزعوها بالدم والدمع -كما يقولون- لقومٍ أضاعوها في أيام، بعدما حفظها أجدادهم طيلة قرون؟!
إِن المدينة التي يحتفل اليهود الآن بذكرى مرور ثلاثة آلاف عام (1) على بنائها، لا تقبل في تصورهم أن تقسم بينهم وبين غيرهم ما دامت قد وقعت في قبضتهم. والذين يتصورون أن اليهود سُيفرِّطون في القدس أو في أحد شطريها، لصالح العرب، يعيشون وهمًا كبيرًا، وهم مخدوعون أو مخادعون! فالقدس في معتقد اليهود كلٌّ لا يتجزأ، فهم لا يعترفون بتقسيمها إلى غربية لليهود وشرقية للعرب، بل هي مدينة واحدة موحدة، تقبل الزيادة ولا تقبل التجزئة، وفي التلمود أن (القدس ستتوسع في آخر الزمان حتى تصل إِلى دمشق، وسوف يأتي المنْفِيُّون ليقيموا خيامهم فيها) (2) . وللقدس مكانة مستقبلية في التراث الديني اليهودي، فهي ستكون عاصمة لمسيح الخلاص الآتي من نسل داود، ولهذا يطلقون عليها (الشخيناه) أي: الملكوت الذي سيتنعم منه العالم. جاء في (الأجاداة) (3) : (سيأتي اليهود إِلى القدس وسيأخذونها، وستمتلئ حدودها بالثروة) . وفي تفسير التوراة صَّورت (القبالاة) (4) (أورشليم) وكأنها المكان الذي سيفيض بالخير من السماء، ومنها يوزع على
(1) لأن داود - عليه السلام - قد بناها قبل ميلاد المسيح بألف عام.
(2) انظر الكنز المرصود في أسرار التلمود.
(3) الأجاداة هي: الجانب القصصي الشفوي في التلمود، في مقابل الجانب التشريعي المدون.
(4) القبالاة هي: مجموعة التفسيرات الباطنية (المقبولة) للتوراة، باعتبار أن كل كلمة منها وكل حرف ونقطة تحوى سرًا داخلياُ عندهم، لا يمكن فهمه إِلا بالتأويلات الباطنية.