فهرس الكتاب
عندما انتهى المواطن من مشاهدة إعلانات عن العلكة والمنظفات والفوط الصحية ذات الأجنحة أطفأ التلفزيون، ثم استلقى في سريره وأدار ظهره إلى زوجته، وأغمض عينيه وتظاهر بالنوم. لقد بدأت الآن أجمل لحظات يومه، والتي يسترخي فيها عبر أحلام يقظة، تتراقص فيها جميع الألوان المشرقة، فتغلف القرحة القاتمة التي تشكل هيولى حياته. كانت أحلام يقظته تتداخل أحيانًا، وبخبث غالبًا، فتموج فيها خيالات حصوله على قدرة أسطورية هائلة، تمكنه من إعادة هيبة العرب وكرامتهم، وتحجيم أعدائهم، وردع مستغليهم ومضطهديهم، وتحويل الأمة العربية إلى قوة سياسية وصناعية ومالية وعسكرية كبرى، تفرض رأيها ومشيئتها وعملتها واحترامها على العالم، وتتصرف وفق إرادتها، وتحقق العدالة والمساواة والرفاهية والحياة الكريمة لمواطنيها. ثم تلوح في مخيلته صورة زاهية، يحصل فيها كل شخص على بيت مريح له ولأسرته، ودخل يمكنّه من تذوق طعم بعض الكماليات، وسيارة متواضعة تريحه من زحمة المواصلات العامة. كان يعتبر أصحاب السيارات الفخمة كائنات غريبة قوية متفوقة من عالم آخر، يفصلها عن المشاة وراكبي الدراجات سور ضخم، لا يجرؤ على التفكير بالاقتراب منه. وفكر، ليت الدولة تمنح كل مواطن سيارة خاصة به، وتلغي وسائل النقل العامة، فتريح وتستريح. وعند هذه الفكرة اكتملت ألوان اللوحة، وبلغ ذروة الإحساس بالسعادة، فابتسم ابتسامة رضا، ثم استرخى في سريره واستغرق في النوم.
3 ـ تأملات في صباح اليوم التاسع والتسعين