الحياة الكريمة ,
تسارعت الأحداث... أمريكا تهاجم افغانستان , تؤزها شياطين الردة الجامحة من المسلمين (سابقا) , ويزول نظام طالبان- اعاده الله - , و تبدأ حملة أمريكا الجديدة على العراق , لقد كانت الأحداث أسرع من أن يلحق بها جعفر ,
لقد تغيرت كميائية تفكير جعفر تغيرا مهما , لكنها بقية عاجزة عن تحقيق الإنفجار المرتقب...
أعلن صدام حسين , الرئيس العراقي وقتها , عن استقبال وفود من المتطوعين العرب الراغبين بالدفاع عن العراق ,
ارتبك جعفر كثيرا و بدا عاجزا عن تقرير ما يجب فعله , فهو يحب الجهاد في سبيل الله , لكن ليس تحت راية صدام البعثية , مهما تمسحت بالإسلام , فهو يريد جهادا صافيا في سبيل الله , لينال أجره غير منقوص ..
هل أذهب ؟ هل أبقى ؟
هل أذهب و أنتظر سقوط نظام صدام لأجاهد الغزو الصليبي لأرض العراق الرشيد تحت راية المجاهدين ؟
لقد كانت هذه أسئلة تجول في منطقة"الباطن الشعوري"لدى جعفر , دون أن تحدث تغيرا على سلوك جعفر أوتأثيرا على مسار حياته الجامعية ,
لقد تقدم"حب الجهاد"لدى جعفر خطوة , و خرج من سجن"اللاشعور", ليصبح في منطقة أقرب إلى الواقع ... منطقة"الشعور الباطني", دون أن تكون تلك العاطفة قادرة على تجاوزه ..
لقد بدأ الجهاد يشغل باله , ولم يعد ينتظر مؤثرات خارجية أو يحتاج لطاقة تنشيط حتى يشغل حيزا من تفكير جعفر ...
إلى من يذهب ؟ من يسأل ؟ فليس السؤال عن الجهاد أيامنا يشابه السؤال عن أحكام الطهارة و الحيض و النفاس , ليس السؤال عن حكم نصرة المسلمين المستضعفين كالسؤال عن أحكام الزواج و الطلاق و الغناء ...
فقرر جعفر إستشارة الشيخ الفاضل"أبي محمود"إمام المسجد المجاور , الذي يكثر من الدعاء للمجاهدين في خطبه , دون أن يحدد من هم و في أي أرض هم , دعاء عام , يريح الداعي و المؤمن ...و طواغيت البلاد و مخبريهم .
لم يكن جعفر من المواظبين على صلاة الجماعة , و كانت معرفته بالإمام لا تتجاوز لقاءهم وقت صلاة الجمعة , و بعض المرات التي يصاحب فيها جعفر والده إلى المسجد ,
ذهب جعفر إلى صلاة العصر و انتظر الإمام بعد الصلاة , رحب به الشيخ أبو محمود و هش في وجهه وبش , مما شجع جعفر لطرح السؤال الذي لا يتناسب مع مظهره الخارجي"الموافق للموضة"...
قال جعفر: شيخنا هناك سؤال و أريد له جوابا ...
الشيخ أبو محمود: تفضل يا جعفر , ما المشكلة ؟ ماذا تريد أن تسأل ؟
جعفر: هناك مسألة محيرة و أريد مساعدتك..
الشيخ: هل هو زواج أم خطوبة ؟ أم أن الله ابتلاك بالحب ؟
(وهنا أطلق الشيخ أبو محمود ضحكة عالية تجاوب معها جعفر بابتسامة صفراء قلقة )
قال جعفر: يا شيخ أريد أن أسأل عن حكم الذهاب للعراق للجهاد فيها ..
تغير وجه الشيخ أبي محمود و صبغ بصبغة جدية و قال:
عفوا يا ولدي , ومن وضع هذه الفكرة في عقلك ؟
جعفر: وهل فكرة الدفاع عن أمة الإسلام تحتاج لمن يضعها في عقلي ؟
الشيخ: لا طبعا يا ولدي , ولكن صدام حسين بعثي , و رايته راية جاهلية , و لا يجوز القتال تحتها ,
جعفر: يا شيخ , سيدخل الامريكان إلى بغداد , و عندها نقاتل ,
الشيخ أبو محمود: يا ولدي , ومن يضمن لك وجود راية مسلمة تقاتل تحتها بعد سقوط صدام ؟ الذهاب إلى العراق الآن يعد مخاطرة و مقامرة , و لقد حث الشيخ سلمان العودة و سفر الحوالي -وهم من علماء الجزيرة الصادعين بالحق - الشباب إلى عدم الذهاب إلى العراق الآن , لعدم توفر الراية ..
جعفر: إن لم نذهب , من سيرفع الراية الموحدة يا شيخ ؟
الشيخ أبو محمود: يا ولدي في أهل العراق الخير و البركة , ركز على تعليمك الآن , وعسى الله أن يقدر لنا الخير ..
جعفر: جزاك الله خيرا ..
لم يقتنع جعفر بما قاله الشيخ , ولكنه قبله , ربما لأن"حب الجهاد"في نفسه لم يكن كافيا لدفعه نحو الامام ,أو لأنه لا يدري تماما ما كان سيفعله لو قال له الشيخ: إذهب ...
سقط نظام البعث في غضون 3 أسابيع , و تزايد عدد المجاهدين الذين يقاتلون العدو الصليبي ,
لكن جعفر نسي هذا الأمر , و عادت حياته إلى"عاديتها", و تراجع"حب الجهاد"خطوة إلى الوراء , ولكنه بقي متمسكا بمنطقة الباطن الشعوري..
لقد كانت أفلام المجاهدين التي تعرضها قناة الجزيرة بين الحينة و الأخرى تذكر جعفر بما يجري هناك , و كان يبدي لها إهتماما متزايدا , حتى ذهب مرة يبحث عنها في الشبكة العنكبونية , بعد أن أصابته حالة تشبه"الإدمان النفسي"عليها ..