قال طائفة من السلف: كان قوم يدعون العزير والمسيح والملائكة، فأنزل الله هذه الآية، يبين فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه.
ومن تحقيق التوحيد: أن يعلم أن الله ـ تعالى ـ أثبت له حقًا لا يشركه فيه مخلوق، كالعبادة والتوكل، والخوف والخشية، والتقوى، كما قال تعالى: {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا} [الإسراء: 22] .، وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] .، وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: 11] .، وقال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} إلى قوله: {الشاكرين} [الزمر: 64 - 66] .، وكل من الرسل يقول لقومه: {اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 61] .
وقد قال تعالى في التوكل: {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] .، {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11] . وقال: {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] .، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إلى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] .
فقال في الإتيان: {مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} ، وقال في التوكل: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ} ولم يقل: ورسوله؛ لأن الإتيان هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال، الذي بلغه الرسول، فإن الحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] .
وأما الحسب فهو الكافي، والله وحده كافٍ عبده، كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] .، فهو وحده حسبهم كلهم، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] .، أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم، وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين؛ إذ هو وحده كافٍ نبيه، وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسبا للرسول، وهذا في اللغة كقول الشاعر:
فحسبك والضحاك سيف مهند **
وتقول العرب: حسبك وزيدًا درهم، أي يكفيك وزيدًا جميعًا درهم.
وقال في الخوف والخشية والتقوى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] . فأثبت الطاعة لله والرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ـ عليه السلام: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: 2، 3] .، فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.
وقد قال تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] .، وقال تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] .، وقال الخليل ـ عليه السلام: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81، 82] .
وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما هو الشرك أو لم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم) [في المطبوعة: [شاء] ، والصواب ما أثبتناه]. وقال تعالى: {فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 15] .، {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41] .
ومن هذا الباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا) .