الصفحة 123 من 148

/وقال في وصفهم بالشح: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَاتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54] . فهذه حال من أنفق كارها، فكيف بمن ترك النفقة رأسًا؟! وقال: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58] . وقال: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [التوبة: 75، 76] .

وقال في السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35] ، فانتظمت هذه الآية حال من أخذ المال بغير حقه، أو منعه من مستحقه من جميع الناس؛ فإن الأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد. وقد أخبر أن كثيرا منهم يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون ـ أى: يعرضون ويمنعون. يقال: صد عن الحق صدودا، وصد غيره صدا.

وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل: من وقف، أو عَطِيَّة على/ الدين، كالصلاة، والنذور التى تنذر لأهل الدين، ومن الأموال المشتركة، كأموال بيت المال، ونحو ذلك. فهذا فيمن يأكل المال بالباطل بشبهة دين.

ثم قال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ} ، فهذا يندرج فيه من كنز المال عن النفقة الواجبة في سبيل اللّه. والجهاد أحق الأعمال باسم سبيل اللّه، سواء كان ملكًا أو مقدمًا، أو غنيًا، أو غير ذلك. وإذا دخل في هذا ما كنز من المال الموروث والمكسوب، فما كنز من الأموال المشتركة التى يستحقها عموم الأمة ـ ومستحقها: مصالحهم ـ أولى وأحرى.

ما تقول الفقهاء أئمة الدين في هؤلاء التتار، الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة، وفعلوا ما اشتهر من قتل المسلمين، وسبى بعض الذرارى، والنهب لمن وجدوه من المسلمين، وهتكوا حرمات الدين من إذلال المسلمين، وإهانة المساجد، لاسيما [بيت المقدس] وأفسدوا فيه، /وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم، وأسروا من رجال المسلمين الجم الغفير وأخرجوهم من أوطانهم، وادعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين وادعوا تحريم قتال مقاتلهم، لما زعموا من اتباع أصل الإسلام، ولكونهم عفوا عن استئصال المسلمين. فهل يجوز قتالهم أو يجب، وأيما كان فمن أى الوجوه جوازه أو وجوبه؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب:

الحمد لله، كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ مانعى الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبى بكر ـ رضي الله عنهما. فاتفق الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة.

وكذلك ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم) ، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال. فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله /فالقتال واجب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت