الصفحة 125 من 148

/وقتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين، وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم؛ فإن هذا السلم الذى هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبدا. وإذا كان الأكراد والأعراب وغيرهم من أهل البوادى الذين لا يلتزمون شريعة الإسلام يجب قتالهم، وإن لم يتعد ضررهم إلى أهل الأمصار، فكيف بهؤلاء؟ نعم، يجب أن يسلك في قتاله المسلك الشرعى، من دعائهم إلى التزام شرائع الإسلام إن لم تكن الدعوة إلى الشرائع قد بلغتهم، كما كان الكافر الحربى يدعى أولا إلى الشهادتين إن لم تكن الدعوة قد بلغته.

فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله، وإعزاز كلمته، وإقامة دينه، وطاعة رسوله، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه، كان الواجب ـ أيضا ـ قتالهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما؛ فإن هذا من أصول الإسلام التى ينبغى مراعاتها.

ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر؛ فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبى صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور؛ فإنه لابد من أحد /أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها. فهذا هو الواجب في هذه الصورة، وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه.

وثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم) ، فهذا الحديث الصحيح يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله صلى الله عليه وسلم: (الغزو ماض منذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل) ، وما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لاتزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة) . إلى غير ذلك من النصوص التى اتفق أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم، بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة.

هذا مع إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه (سيلى أمراءُ ظلمة خونة فجرة، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس منى ولست منه،/ ولا يرد على الحوض. ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منى وأنا منه، وسيرد على الحوض) .

فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم ـ من الجهاد الذى يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة، وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم ـ علم أن الطريقة الوسطى التى هى دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد، كهؤلاء القوم المسؤول عنهم، مع كل أمير وطائفة هى أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التى يغزو معها على شىء من معاصى الله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديمًا وحديثًا. وهى واجبة على كل مكلف. وهى متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارا. ونسأل الله أن يوفقنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت