الصفحة 130 من 148

أحدها: ـ وهو مذهب الشافعى ـ: أنه يجب قسمها بين الغانمين، إلا أن يستطيب أنفسهم فيقفها، وذكر فى [الأم] أنه لو حكم حاكم بوقفها من غير طيب أنفسهم نقض حكمه؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قسم خيبر بين الغانمين، لكن جمهور الأئمة خالفوا الشافعى في ذلك، ورأوا أن ما فعله عمر بن الخطاب من جعل الأرض المفتوحة عنوة فيئا حسن جائز، وأن عمر حبسها بدون استطابة أنفس الغانمين. ولا نزاع أن كل أرض فتحها عمر بالشام عنوة. والعراق ومصر وغيرها لم يقسمها عمر بين الغانمين، وإنما قسم المنقولات، لكن قال مالك وطائفة ـ وهو القول الثانى ـ: إنها مختصة بأهل الحديبية. وقد صنف إسماعيل بن إسحاق إمام المالكية في ذلك بما نازع به الشافعى في هذه المسألة، وتكلم على حججه.

وعن الإمام أحمد كالقولين، لكن المشهور في مذهبه هو القول /الثالث، وهو مذهب الأكثرين؛ أبى حنيفة وأصحابه، والثورى، وأبى عبيد: وهو أن الإمام يفعل فيها ماهو أصلح للمسلمين من قسمها أو حبسها؛ فإن رأى قسمها كما قسم النبى صلى الله عليه وسلم خيبر فعل، وإن رأى أن يدعها فيئا للمسلمين فعل، كما فعل عمر، وكما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم فعل بنصف خيبر، وأنه قسم نصفها، وحبس نصفها لنوائبه، وأنه فتح مكة عنوة ولم يقسمها بين الغانمين.

فعلم أن أرض العنوة يجوز قسمها، ويجوز ترك قسمها. وقد صنف في ذلك مصنفا كبيرًا. إذا عرف ذلك، فمصر هى مما فتح عنوة، ولم يقسمها عمر بين الغانمين، كما صرح بذلك أئمة المذاهب، من الحنفية، والمالكية، والحنبلية، والشافعية، لكن تنقلت أحوالها بعد ذلك، كما تنقلت أحوال العراق. فإن خلفاء بنى العباس نقلوه إلى المقاسمة بعد المخارجة، وهذا جائز في أحد قولى العلماء. وكذلك مصر رفع عنها الخراج من مدة لا أعلم ابتداءها، وصارت الرقبة للمسلمين، وهذا جائز في أحد قولى العلماء.

وقال قدس الله روحه:

بسم الله الرحمن الرحيم. من أحمد ابن تيمية إلى [سرجوان] ، عظيم أهل ملته، ومن تحوط به عنايته، من رؤساء الدين، وعظماء القسيسين، والرهبان، والأمراء، والكتاب، وأتباعهم. سلام على من اتبع الهدى.

أما بعد، فإنا نحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، إله إبراهيم وآل عمران. ونسأله أن يصلي على عباده المصطفين، وأنبيائه المرسلين. ويخص بصلاته وسلامه أولى العزم؛ الذين هم سادة الخلق وقادة الأمم. الذين خصوا بأخذ الميثاق وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد.

كما سماهم الله تعالى في كتابه، فقال عز وجل: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13] .

وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب: 7] {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الأحزاب: 8] ونسأله أن يخص بشرائف صلاته وسلامه خاتم المرسلين وخطيبهم إذا وفدوا على ربهم، وإمامهم إذا اجتمعوا، شفيع الخلائق يوم القيامة، نبي الرحمة ونبي الملحمة، الجامع محاسن الأنبياء، الذي بشر به عبد الله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى الصديقة، الطاهرة، البتول، التي لم يمسها بشر قط [مريم ابنة عمران] .

ذلك مسيح الهدى: عيسى ابن مريم الوجيه في الدنيا والآخرة، المقرب عند الله، المنعوت بنعوت الجمال والرحمة، لما أنجر بنو إسرائيل فيما بعث به موسى من نعت الجلال والشدة - وبعث الخاتم الجامع بنعت الكمال، المشتمل على الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين. والمحتوي على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت