فهرس الكتاب
وكذلك الصوفية، عظموا جنس الإرادة إرادة القلب، وذموا الهوى وبالغوا في الباب، ولم يميز كثير منهم بين الإرادة الشرعية الموافقة لأمر اللّه ورسوله، وبين الإرادة البدعية، بل أقبلوا على طريق الإرادة دون طريقة النظر، وأعرض كثير منهم فدخل عليهم الداخل من هاتين الجهتين؛ ولهذا صار هؤلاء يميل إليهم النصارى ويميلون إليهم، وأولئك يميل إليهم اليهود ويميلون إليهم، وبين اليهود والنصارى غاية التنافر والتباغض.
وكذلك بين أهل الكلام والرأي، وبين أهل التصوف والزهد تنافر وتباغض، وهذا وهذا من الخروج عن الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
نسأل اللّه العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم اللّه عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين.
فصل
قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] ، فنفى أن يكون دين أحسن من هذا الدين، وأنكر على من أثبت دينًا أحسن منه؛ لأن هذا استفهام إنكار، وهو إنكار نهي وذم لمن جعل دينًا أحسن من هذا.
قال قتادة والضحاك وغيرهما: إن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أوْلى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى باللّه ـ تعالى ـ منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التى كانت قبله، فأنزل اللّه تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} الآية [النساء: 123] .
وروى سفيان عن الأعمش، عن أبي الضُّحَي، عن مسروق، قال: لما نزلت هذه الآية: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] ، قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء، حتى نزلت: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} الآية [النساء: 124] ،ونزلت فيهم ـ أيضًا ـ: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا} الآية.
وقد روى عن مجاهد قال: قالت قريش: لا نبعث أو لا نحاسب، وقال أهل الكتاب: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80] ، فأنزل اللّه عز وجل: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} ، وهذا يقتضي أنها خطاب للكفار من الأميين وأهل الكتاب؛ لاعتقادهم أنهم لا يعذبون العذاب الدائم، والأول أشهر في النقل وأظهر في الدليل؛ لأن السورة مدنية بالاتفاق، فالخطاب فيها مع المؤمنين كسائر السور المدنية.
وأيضًا، فإنه قد استفاض من وجوه متعددة أنه لما نزل قوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} شق ذلك على أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، حتى بين لهم النبى صلى الله عليه وسلم أن مصائب الدنيا من الجزاء، وبها يجزى المؤمن؛ فعلم أنهم مخاطبون بهذه الآية لا مجرد الكفار.
وأيضًا، قوله بعد هذا: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 124] ، وقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا} [النساء: 125] يدل على أن هناك تنازعا في تفصيل الأديان، لا مجرد إنكار عقوبة بعد الموت.
وأيضًا، فما قبلها وما بعدها خطاب مع المؤمنين وجواب لهم فكان المخاطب في هذه الآية هو المخاطب في بقية الآيات.
فإن قيل: الآية نص في نفي دين أحسن من دين هذا المسلم، لكن من أين أنه ليس دين مثله؟ فإن الأقسام ثلاثة: إما أن يكون ثَمَّ دين أحسن منه، أو دونه، أو مثله، وقد ثبت أنه لا أحسن منه،