فهرس الكتاب
وحين تهيئه العناية الربانية للاضطلاع بأعظم ما عرفته البشرية في تاريخها الطويل من رسالات، وفي قوم لهم في ميدان البلاغة والفصاحة القدح المعلى، فلابد أن يكون النبي المرسل إليهم أفضلهم بيانًا وأقدرهم على التصرف في فنون القول، وأبعدهم عن عيوب الكلام زللًا واضطرابًا واستكراهًا (( فليس إلا أن يكون ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قد كان توفيقًا وإلهامًا من الله، أو ما هذه سبيله ) ) (1) .
والحديث الشريف كالقرآن الكريم يجري على سنن العرب في كلامها بحفوله بالأساليب والفنون العربية التي وقفنا عليها من خلال مباحث البلاغيين، إلا أن هذه الأساليب والفنون تأتي في البيان النبوي كما في القرآن الكريم على الصورة التي تتساوق فيها الفكرة مع الفن التعبيري على أدق وجه، فكل لفظة أو جملة أو فقرة لا تجدها تنبو عن موضعها، ولا يسع أحدًا أن يخيلها عن ذلك الموضع أو يستبدل بها غيرها لتكون أو في دلالة وأشد إحكامًا...
(( وليس أحكام الأداء وروعة الفصاحة وعذوبة المنطق وسلاسة النظم، إلا صفات كانت فيه صلى الله عليه وسلم عند أسبابها الطبيعية.... لم يتكلف لها عملًا، ولا ارتاض من أجلها رياضة بل خلق مستكمل الأداة فيها، ونشأ موفر الأسباب عليها، كأنه صورة تامة من الطبيعة العربية ) ) (2) .
وفي ضوء هذا كله كان جديرًا بالدارسين أن تكون لهم وقفة بل وقفات متأنية متأملة عند البلاغة النبوية بعقد مباحث تحليلية تكشف عن مواطن البراعة والدقة في فن القول في أرفع مستوياته.
الغاية من التحليل البلاغي لخطبة الوداع
جدير بطلاب العربية وباحثيها أن يلتمسوا في كلام أفصح من نطق بالضاد معالم الطريق إلى استشراف البلاغة العالية المنزهة عن العيوب والمثالب، لتكون أمامهم المثل الأعلى في الاستهداء بمعانيه وتمثل أساليبه:
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية - 316. .
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية - 316..