الصفحة 82 من 91

ترد بعد ذلك الحقائق التي أراد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يغرسها في نفوس المسلمين على أنها أحكام للحياة لا تحتمل تأويلًا ولا تقبل حيدة أو جنوحًا. فجملة ما واجه به المسلمين وردت بصيغة التوكيد الحقيقي.وقد قرر البلاغيون أن (( الإهتمام بالشيء وانفعال النفس به يستوجب ضربًا من تأكيده، أمرًا أو نهيًا أو خبرًا يستلزم طلبًا أو خبرًا يقع في الجواب ) ) (1) .وقد جاء التوكيد في مقاطع الخطبة بأكثر من وسيلة، وهي:أداة التوكيد (( إنَّ ) )والتكرار، وتقديم ما حقه التأخير (ومنه القصر) ، وأدانا التحقيق والتوكيد (( قد وكل ) ).ومما جاء مؤكدًا بإن: (( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام... ) ) (( وإنكم ستلقون ربكم... ) ) (( وإن ربا عباس بن عبدالمطلب موضوع كله... ) ) (( وإن كل دم في الجاهلية موضوع ) ) (( وإن أول دمائكم أضع... ) )ولذلك تصدرت هذه المقاطع أداة التوكيد (( إن ) )التي تضمن الإيصال والتثبيت إضافة إلى حسم التردد والشك في القبول والتلقي.

ولقد ذهب البلاغيون إلى أن استخدام أداة التوكيد واحدة ضمن العبارة هي لحسم الشك والتردد. قال القزويني: (( وإن كان متصور الطرفين، مترددًا في إسناد أحدهما إلى الآخر طالبًا له حسن تقويته بمؤكد ) ) (2) .

وليس هذا الأمر مطردًا على نسق متواصل، فقد يخرج استخدام الأداة في غير هذا الموضع مراعاة لغير الظاهر، كما قرر البلاغيون أنفسهم، فقد ذكر القزويني نفسه ذلك في قوله: (( وكثيرًا ما يخرج على خلافه، فينزل غير السائل منزلة السائل - أي المتردد الشاك - إذا قدم إليه ما يلوح له بحكم الخبر، فيستشرف له استشراف المتردد الطالب ) ) (3) .

(1) المصدر نفسه - 165.

(2) الحديث النبوي من الوجهة البلاغية - 73.

(3) الإيضاح في علوم البلاغة 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت