فهرس الكتاب

الصفحة 9179 من 9994

نعم، لا بدّ للزواج من مهر، لا بدّ فيه من وليمة، لا بدّ ولا بدّ، ولكن على الجميع تقوَى الله وتسهيلُ المهمّة وتذليل الصعاب، وليتقرّب المسلم إلى الله بما يبذله من عدَم التشدّد في المهر وعدَم التكليف في الولائم، وأن يكونَ الأمر مقتصِرًا على ما يكون به الإعلامُ الشرعيّ، بعيدًا عن المظاهر التي يقلّد الناسُ بعضهم بعضًا فيها، فعلى كلّ من له قدرةٌ ويقتدَى به في الأمور أن يكونَ قدوةً صالحة لغيرِه، وأسوةً يُتأسَّى به في الخير، فكثيرٌ مِن هذه التّكلفاتِ وكثير من هذه الأمورِ لا مبرِّر لها، لا داعيَ لها، لكنّها عقبةٌ أمام زواجِ الشباب، وأمام زواج الفتَيَات، تبقى الفتياتُ عانساتٍ في البيوت، ويبقى الشباب عاجزين عن الزواج، وربما استعمَل الذهابَ هنا وهناك لقضاءِ وطرِه بما لا خيرَ فيه، وتلك جريمةٌ يتحمّل إثمَها المجتمع بأسرِه.

فعلى الجميع تقوَى الله في أنفسهم، والتعاونُ على البر والتقوى، وتذليل تلك العقبات. أسأل الله للجميع العونَ والتوفيق، إنه على كل شيء قدير.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آلهِ وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أمّا بعد: يا أيّها النّاس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

أيها الشابّ المسلم، إذا أردتَ الزواج فاتّق الله، واستعِن بربك في كلّ مهمّاتك، فإنّ الله قريبٌ يجيب دعوةَ المضطرّ إذا دعاه. إيّاك والديونَ الباهظة، إيّاك وأن تستدينَ ديونًا لا تستطيع وفاءَها وتعجز عن وفائها، وتبقى أسيرًا لدى أولئك.

إنّ بعضَ شبابنا ربما يستدِين دينًا يثقِل كاهلَه ويعجِزه، فيعيش عمرَه همًّا وغمًّا.

استدِن قدرَ استطاعتك، وعلى قدر ما تعلَم أنك تقضيه، استدِن على قدر ما تعلَم أن بإمكانك قضاءَه، دينًا لا يثقل كاهلَك وتقضى به مهمّتك.

وعلى أهلِ الزوجة إذا علِموا منَ الزوج كذلك أن لا يزيدوا على حملِه حِملاً، وأن لا يثقِلوه على ديونه بديون أخرى، وأن يسهِّلوا المهمّةَ ويهوّنوها ويحلّوا كثيرًا من الأمور ويجتنبوا كثيرًا من المظاهر التي لو تفكّرنا فيها حقًّا لعلِمنا أنها عقبات، وأنه لا فائدةَ منها ولا خير في كثيرٍ منها، إسرافٌ في الولائم، إسراف في الملابس، إسرافٌ في الحلِيّ إلى غير ذلك.

على الجميع تقوَى الله في أنفسِهم، وعليهم أن ييسّروا هذا الأمر، وأن يستعينوا بالله، ويتقرّبوا إلى الله بهذا العمل الصالح، فعسى الله أن يعمَّ الجميعَ بفضلِه ورحمته، إنّه على كلّ شيء قدير.

وعليك ـ أيّها الشابّ المسلم ـ أن تستعينَ بالله في كلّ مهمّاتك، فلا يسيرَ إلا ما يسّره الله لك، فاستعِن بربّك، واسأله التوفيقَ، واصدق في نيّتك، وعفّ عن محارم الله، فوعدُ الله حقّ وآتٍ لا شكّ فيه، والله لا يخلف الميعاد.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهديِ هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمد كما أمركم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الراشدين...

(1) سنن الترمذي: كتاب فضائل الجهاد (1655) ، وأخرجه أحمد (2/251، 437) ، والنسائي في الجهاد (3120) ، وابن ماجه في الأحكام (2518) ، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن"، وصححه ابن الجارود (979) ، وابن حبان (4030) ، والحاكم (2678) ، وحسنه الألباني في غاية المرام (210) .

(2) أخرجه البخاري في الجنائز (1296) ، ومسلم في الوصية (1628) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه نحوه.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

أيها المؤمنون إن الله بعث محمداً r بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، فجاهد r في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان، فكانت حياته كلها موقوفةً على الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله، فكان r بذلك أرفع الناس ذكراً وأعظمهم عند الله قدراً، فقاتل r وقوتل وأصاب وأصيب منه هو وأصحابه رضي الله عنهم، فكان جهادهم، وكانت دماؤهم مشاعل نور وهداية، أخرج الله بها كثيراً من الناس من الظلمات إلى النور.

هم العصبة المثلى ولولا جراحهم لظل بهيم الليل كالموج عاتيا

ولولاهم كانت ظلاماً لأهلها ولكن هم فيها بدور و أنجم

أيها المؤمنون إن من المعارك التي خاضها رسول الله r بنفسه غزوة الأحزاب التي قص الله تعالى نبأها في كتابه في سورة سميت باسم تلك الغزوة وهي سورة الأحزاب أظهر الله سبحانه وتعالى فيها من عظيم قدرته وبديع صنعه ولطيف فعله ونصره لأوليائه وخذلانه لأعدائه ما تطيب به قلوب المؤمنين المتقين، ففي السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال جاءت قريش ومن معها من الأحزاب على الصفة التي ذكرها الله تعالى في كتابه حيث قال: ?إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُم? (1) ، وذلك أن اليهود عليهم لعنة الله لما رأوا انتصار المشركين على أهل الإيمان يوم أحد طمعوا في القضاء على الإسلام بالكلية فانتشروا في أحياء العرب يحرضونهم على غزو رسول الله r ويؤلبونهم عليه ويعدونهم بالمؤازرة والنصر، فاستجابت قريش لهم وغطفان وغيرها من قبائل العرب فكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف مقاتل، يريدون أن يطفئوا نور الله بأسيافهم والله يتم نوره ولو كره الكافرون فلما سمع رسول الله e بمسيرهم إليه استشار أصحابه فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق ليحول بين العدو وبين المدينة فأمر النبي r بحفر الخندق شمالي المدينة فبادر المسلمون إلى ذلك، وشاركهم النبي r بنفسه في الحفر فكان ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه وهو يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا.

وقد كان أيها المؤمنون في حفر النبي هذا الخندق من آيات نبوته وعلامات رسالته ما ازداد بها المؤمنون إيماناً فمن ذلك أن هذه الغزوة كان فيها من النصب والجوع مالم يكن في غيرها فاستمع إلى ما ذكره جابر t من نبأ تلك الغزوة قال t: (( كنا يوم الخندق فعرضت كُدية شديدة فأخبروا بها النبي r فقال: أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر من شدة الجوع فأخذ النبي r المعول فضرب في الكُدية فعاد كثيباً أهيل فقلت: يارسول الله ائذن لي إلى البيت ؟ فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي r شيئاً ماكان لي في ذلك صبر فعندك شيء ؟ فقالت: عندي صاع من شعير وعناق وهي الصغير من المعز فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم بالقدر فجئت النبي r فقلت: يارسول الله طعيم لي فقم ورجل أو رجلان قال: كم هو ؟ فذكرت له، فقال: كثير طيب فدعا النبي r المهاجرين والأنصار وقال: ادخلوا ولا تزاحموا فجعل يكسر من هذا الخبز ويجعل فيه شيئاً من اللحم، فما زال كذلك حتى شبع المهاجرون والأنصار، وبقي بقية من ذلك الطعام فقال: كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة ) ) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت