وعلى ضوء الممر الكابي لمحت شخصًا يسد الباب بقامته الطويلة النحيلة. يحمل بيده اليسرى حقيبة صغيرة، يستعملها رجال الأعمال عادة، ومن خلفه تلامعت ذرات الماء الثلجي المتأرجحة. داخلني إحساس بالخوف؛ إذ لم يسبق لي أن عرفتُ هذا الوجه المستطيل، والعينين الصغيرتين البراقتين. لكنه أثار لديّ شعورًا غامضًا منبعثًا من أزمنة بعيدة، وحارات عتيقة متداخلة. لاشك أنه يقصد منزلًا آخر، وقد ضلّ الطريق في متاهة الليل. وانتظرتُ منه بادرة ما تبدّد حراجة الموقف وغموضه. ولمحته، على ضوء ما تناثر على وجهه من ضوء، يمسح بكفّه قطرات المطر عن جبهته العريضة وشعره الرمادي، ويبتلع ريقه قبل أن يقول، وقد انبثق على شفتيه الدقيقتين خيط ابتسامة:
-عباس الأمين أنت؟ ألا تدعوني للدخول؟
ووجدت نفسي أفسح له الطريق، وأنا ذاهل عن نفسي، وكأني أتابع صفحات الرواية. وتهيأت لمئات التوقعات، وأصبح كل شيء ممكنًا.
تابعته في الممر، ثم أشرت إليه أن ينعطف إلى اليسار، حيث غرفة الضيوف. وسبقته في الدخول، لأضيء المصباح. وتبدّت ثيابه، في النور، غارقة بالماء. خلع معطفه المبلل، وجلس على مقعد كنبة من الباب، تحت آية من القرآن الكريم معلقة على الجدار، ووضع بين رجليه حقيبته السوداء، بينما رحتُ ألقي عود ثقاب في المدفأة، ثم أجلسُ في مواجهته.
ومرّت ثوان حرجة، صعبة. كنت أريد أن أرّحب به. لكن كلماتي لم تطاوعني فبقيتُ صامتًا أنتظر. وتململ في جلسته، وعبّ نفسًا طويلًا قبل أن يتكلم. ولم أشأ مقاطعته، وبتلقائية، لا أدري كيف. تقمصت دور المحلل النفسي، وكان هو المريض، أوكنتُ الكاهن وهو يجلس على كرسي الاعتراف!.