فهرس الكتاب
وحين كنتُ في باريس، كان لدي عنوانك، حصلت عليه من أختك التي اختارها الرحيل وزوجها معنا. كنت أستطيع أن أكتب إليك من هناك. راودتني الفكرة، لكني لم أحاول. ففي أعماقي، في كل كياني، يرتفع ذلك الجدار العالي، فآثرت حوار صمتنا الطويل. أشهد أني كنت أغالب فيكم شوقًا سريًّا، فأنتم من رائحة قريتنا التي لا تفارقني أينما حللت. كانت تتآكلني رغبة جارفة؛ لأقف على صورتك بعد أربعين سنة، لأسمع صوتك، لأعرف أخبارك: من تزوجت، ومن أنجبتَ، لأرى إخوتك: أولاد عميّ، لأتعرّف إلى أختيك الصغيرتين اللتين ولدتا في أسر الاحتلال، لأعزيك بموت عمي: أبيك، وبموت أّمك: زوجة عميّ، ولو بعد سنين طويلة، وأقول لك: سلامة رأسك يابن عمي! لأعبّر لك عن «حسدي» لأنك تستطيع أن تزور، مشيًا على الأقدام، قريتنا، فردوسنا، وإن أصبحت أطلالًا، كما قيل لي، واستطالت فيها الغابات، وتتجوّل في أماكن لعبنا، ولهونا، وركضنا، وأحلامنا، ولعل صورًا من الماضي البعيد، القريب، تهمي على روحك فتدمع منك العينان. كانت رغبتي جامحة أن أطلب صورتك، وصورة زوجتك، وأولادك، لأتملاك، وأتملاّهم، فأنت مازلت تتفلت من بين أصابعي وذكرياتي فلا يتبقى منك سوى ابن السادسة، ذي الشعر الكستنائي الناعم الطويل، والملامح الدقيقة، والقنباز المخطط الضافي. وأما هم فمن أين لي أن ابتعث في نفسي لهم صورًا؟. ولكنيّ لم أفعل. كان لدي رفض صريح، قاطع، للكتابة إليك؛ لأن هذه الأشواق الحارقة،ذات الأربعين سنة، كانت تصطدم بشيء كبير، هائل، عصيّ على الذوبان. كانت تشدني سنوات التشرد، والبحث عن قرار. تشدني دماء فهد ابن جارنا هل تذكره؟ـ فهد الذي قتلته شظيّة طائراتهم على أبواب القرية. تشدني سبحة جدّي، المعلقة على الجدار، جدّي الذي مات قهرًا في العام الأول للمنفى. يشدني الشهداء، والمجازر، ومنع التجول، والتفتيش عند الحدود، وفي المطارات والموانىء. تشدّني لهفة أولادي للوطن الحاضر الغائب. أشياء أخرى كثيرة تشدني ألا أفعل، حتى لا أكتب على غلاف الرسالة اسمًا آخر لفلسطين. كان ذلك فوق طاقتي، فوق حياتي وحياتكم.
الآن.. الآن فحسب، أستطيع أن أكتب إليك على رؤوس الأشهاد، فمئات سيحملون إليك صوتي، وإن جاء متأخرًا أربعين سنة.