ولعل ذلك يرجع الى عدم قراءة النصوص الشرعية المتعلقة بهذه الشعيرة العظيمة ، وأن الله جل في علاه قد جعل مناط عز هذه الأمة بالقيام بهذه الشعيرة ، وجعل هلاك هذه الأمة بترك هذه الشعيرة حيث قال صلى الله عليه وسلم ( كلا والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرًا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ، ثم ليلعنكم كما لعنهم ) (1) ، كما أن عدم استقراء التاريخ ، والتأمل في أسباب سقوط الدول ، هو سبب آخر لعدم تفهم أهمية هذه الشعيرة ، حيث أن السقوط لا يتأتى مباشرة ، بل يسبقه عوامل كثيرة ، لعل أهمها هو إهمال هذه الشعيرة ، وتعطيلها ، فبالحسبة تحفظ سياج الأمة ، ولما وقعت غربة الإسلام، واندرست معالمه، وأصبح المسلم يعيش كالقابض على الجمر، وتفشت المنكرات نتيجة تقصير الأمة وإخلالها بهذا الشأن، كان لابد من توضيح أحكام هذه الشعيرة ، لتجديد العمل بها ، فالإنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في حال الضعف وفي حال القوة، وحسبنا أن نعلم أن المسلم دائمًا في حالة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وأقل ما يجب هو أن يأمر نفسه بالمعروف وأن ينهاها عن المنكر، ففرض عين على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر في نفسه وفيما تملك يده في بيته ، وإدراته، ومدرسته، وفي كل ما له عليه سلطة وولاية ومقدرة على التغيير باليد، وفرض على الأمة جميعًا أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
لما غابت هذه الحقائق عن الأمة ، أصبح المؤمن يعيش في حال الغربة، وأصبحت السنة بدعة، والبدعة سنة، وأصبحت بعض المعاصي علامة على أن الإنسان حسن الأخلاق، أو مهذب الطباع، أو اجتماعي، أو غير متشدد أو متزمت، وأصبحت الدعوة إلى ترك بعض المنكرات الظاهرة علامة على أن هذا الإنسان فيه وفيه... من الصفات التي لا تليق، وليست بصفات مدح على أي حال.
(1) أخرجه أبو داود 4327 والترمذي 3048