فهرس الكتاب
ثم بعد ذلك هذه الأمور يجب الإيمان بها دون تأويل ولا تحريف، ما معنى دون تأويل؟ يعني بمعنى لا نبحث لها عن معان تصرفها عن حقائقها، ما دمنا قلنا: أن مقتضى التصديق لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- أن نعلم أن كلام الله حق، وأن خبر النبي -صلى الله عليه وسلم- حق، فمعنى ذلك أن هذه الغيبيات هي حق على حقيقتها على حسب علم الله -عز وجل- فيها، كيفياتهما مما لا يعلمها إلا الله فهي حق، إذا كانت حق؛ فإذًا هي لا تقبل التأويل؛ لأن التأويل هو صرف معاني الألفاظ والكلمات من معانيها وحقيقتها المباشرة إلى حقائق أخرى متوهمة أو متصورة أو يلجأ إليها عندما يصطدم الإنسان بحقائق الواقع، بينما أمور الغيب لا تصطدم بأمور الواقع، فلا نحتاج فيها إلى تأويل، إذًا لا تأول يعني لا تصرف معانيها إلى معان مظنونة محتملة كما يعمل أهل التأويل، ونضرب لهذا مثالا: الله -عز وجل- أخبر عن نفسه - سبحانه وتعالى -بأنه على العرش استوى، نحن نؤمن بهذا؛ لأنه حق على ما يليق بجلال الله -عز وجل- ولا نزيد على ما ورد في الشرع، فلا يجوز أن يتوهم شخص: أن الاستواء نظرا؛ لأنه متعلق بالعرش، والعرش مخلوق، إذًا لا بد أن نأوله بأن نقول: إن الاستواء هو الاستيلاء، هو الهيمنة، هو السلطان، نعم، هذه المعاني هي من لوازم الاستواء، فلا شك أن الله -عز وجل- مهيمن، ورب، ومالك - سبحانه وتعالى - لكن أيضا لا بد أن نؤمن أن الاستواء لله -تعالى- على عرشه حقيقة تليق بجلاله وكماله ليست كاستواء المخلوق.
ومن هنا نستبيح ونؤمن بالحق كما ورد، ونخلص من أوزار التأويل التي هي نوع من القول على الله بغير علم، التخرص الذي هو من لوازم التأويل: اللوازم الباطلة.