تأليف
فضيلة الشيخ
سلمان بن فهد العودة
المشرف العام على موقع الإسلام اليوم
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد:
الوقفات التي بين يديك جاءت ضمن سلسلة"الدروس العلمية العامة"، التي ألقيتها - بحمد الله - في الجامع الكبير ببريدة. وهي تحمل الأرقام (7) و (8) و (9) ، وأُلقيت في مقتبل شهر رمضان من عام 1410هـ. وقد تم تفريغها وتصحيحها، وتقديمها للطباعة قبيل شهر رمضان من عام 1411هـ؛ رجاء أن ينتفع بها المسلمون في كل مكان في هذا الشهر الكريم.
وإنني على قناعة أن هذه الجموع الغفيرة التي تؤمُّ المساجد طيلة الشهر الكريم؛ لسماع الذكر وأداء الصلاة من الرجال والنساء لها على علماء الإسلام ودعاته حق كبير. ومن أول حقوقهم: أن توفر بين أيديهم الكتب المتنوعة في الوعظ والإرشاد، والتي تناسب الطبقات والمستويات كافة، وتعالج شتى الموضوعات.
إن أي كتاب يؤلَّف ويُطبعَ قد يقرؤه ألف أو عشرة آلاف، ولكن كتابًا يؤلف لمثل ذلك الغرض يسمعه في المساجد مئات الآلاف، ومن نوعيات مختلفة، قد لا يكونون من قُرَّاء الكتب، ولا من مستمعي الدروس والمحاضرات والأشرطة.
فأين أنتم عن هذا يا دعاة الإسلام؟!
إنه ليس كثيرًا على مثل هذا العمل النبيل أن يتفرغ له عدد من طلبة العلم، حتى يتمُّوه وينجزوه، وريثما يظهر كتاب كهذا، رأيت من المناسب المشاركة في هذه الوقفات التي قد تصلح للقراءة بعد صلاة العصر، وربما قبل صلاة العشاء، وإن كانت متفاوتة في الطُّول والقِِصَر؛ فإن بإمكان الإمام أو المحدث أو القارئ أن يجزِّئها ويقسمها بالطريقة المناسبة.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل العمل خالصًا لوجهه، نافعًا لعباده.
وأسألك - أخي القارئ الحبيب - أن تخصَّني منك بدعوة صادقة بظهر الغيب؛ علَّ الله يكتب بها نجاتي ونجاتك، وتخص الإخوة الذين سهروا على تصحيح الكتاب وتخريجه، ومراجعته وطباعته وتوزيعه، - جزاهم الله خيرًا -.
اللهم اجعل رمضان قادمًا علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى.
والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
27/ 7/1411هـ
الوقفة الأولى
كتب عليكم الصيام
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عَلَيْكُم الصيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلى الذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلكُمْ تَتقون أيامًا مَعدُودات فَمًنْ كَانَ مِنْكُمْ مريضًا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ مِنْ أيامٍٍ أُخَر) [البقرة:183، 184] .
هذه الآية أصل في وجوب صيام رمضان؛ ولذلك أجمع أهل العلم كافة على أنه يجب على كل مسلم أن يصوم شهر رمضان، ومن أنكر وجوبه أو جحده فهو كالمرتد، إلا أن يكون جاهلًا، حديثَ عهد بإسلام، فإنه يُعلَّم - حينئذ-، فإن أصر على الإنكار فهو كافر، يُقْتلُ مرتدًا لأنه جحد أمرًا ثبت وجوبه بنصَّ القرآن، كما يدل على ذلك قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُم) أي: فرض وأوجب عليكم.
وفي قوله جلّ وعلا: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِنْ قَبْلِكُم) تسلية للمؤمنين، وإشعار لهم بأن الله (قد فرض هذا الأمر على من كان قبلهم من الأمم الكتابية، وفي ذلك تخفيف على نفوس المؤمنين من وطأة الصوم، فإن المسلم إذا عرف أن هذا درب سلكه قبله الصالحون من الأنبياء وأتباعهم؛ فإنه يفرح بذلك ويخف عليه لا يستثقله.
ثم قال تعالى: (لَعَلَكُمْ تَتَقُون) ، إيماءً إلى الحكمة في مشروعية الصيام، وهي تحقيق التقوى لله من قِبَل الصائم.
ثم قال: (أيّامًا مَعْدُوداتٍ) ، فهي أيام قليلة بالقياس إلى أيام السنة، شهر واحد فقط، ليس في صيامه عبء ثقيل على الصائمين.
الوقفة الثانية
الناس في استقبالهم لرمضان
إن الناس في استقبالهم لرمضان على صنفين:
الصنف الأول: الذين يفرحون بهذا الشهر، ويسرون لقدومه؛ وذلك لأسباب:
أولًا: أنهم عودوا أنفسهم على الصيام، ووطنوها على تحمله، ولهذا جاء في السنة النبوية استحباب صيام أيام كثيرة: كصيام الاثنين، والخميس، وأيام البيض، ويوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء مع يوم قبله أو يوم بعده، وصيام شعبان ... ، وغير ذلك من أنواع الصيام المستحب، الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ ليعتادوا الصوم، ويتزودوا من التقوى.
وأثر ذلك واضح في الواقع؛ فإنك تجد الذي يصوم النفل - أيام البيض على الأقل- لا يستثقل صيام رمضان؛ بل هو عنده أمر طبعيّ، لا كلفة فيه ولا عناء، وأما الذي لا يصوم شيئًا من النافلة، فإن رمضان يكون عليه ثقيلًا شاقًا.
ولقد كان السلف مثالًا رائعًا في الحرص على النوافل، وروي عنهم في ذلك قصص عجيبة، ومن ذلك: