فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 33

ومضارها وألوانها تجد عجبًا وقدرة قادر جل وعلا، في البحار حيوانات كالجبال لا يقوم لها شيء، وفيه من الحيوانات ما يرى من ظهورها فيظن من عظمها أنها جزيرة فينزل عليها الركاب ويشعلوا نارهم فتحس بالنار إذا أوقدت فتتحرك فَيُعْلَم أنه حيوان كما ذكر [ابن القيم] ذلك في مفتاح دار السعادة ثم قال بعد ذلك ابن القيم: وما من صنف من أصناف حيوان البر إلا وفي البحر أمثاله بل فيه أجناس لا يعهد لها نظير أصلا، مع ما فيه أيضًا من اللآلئ والجواهر و المرجان فسبحان الخالق الرحيم الرحمن، ثم انظر إلى السفن وسيرها في البحر تشقه وتمخر عبابه، بلا قائد يقودها ولا سائق يسوقها، وإنما قائدها وسائقها الريح الذي سخره الله لإجرائها، فإذا حبست عنها الريح ظلت راكدة على وجه الماء، فذاك قول الله (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) نعم، سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، لا بأمر غيره سبحانه وبحمده، سخرها بأمره تجري ليست وفق رغبات النفوس الأمارة بالسوء، ولا رغبات الجشعين من الأفراد والهيئات التي استعملت أساطيلها منذ أقدم العصور إلى يومك هذا لقهر الإنسان ونهب خيراته واحتقار آدميته، فلك الحمد ربنا، ولك الأمر من قبل ومن بعد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، صنع الإنجليز باخرة عظيمة، كانت كما يقولون فخر صناعاتهم، ثم انطلقت في رحلة ترفيهية حاملة على متنها علية القوم ونخبة المجتمع كما يصفون أنفسهم، وقد بلغ الفخر والاعتزاز ببناة السفينة درجة كبيرة من الصلف والغرور فسموها الباخرة التي لا تقهر، بل سمع أحد أفراد طاقمها يتشدق فخرًا أمام بعض كبار ركابها بما ترجمته: حتى الله نفسه لا يستطيع أن يغرق هذا المركب، جل الله وتعالى وتقدس لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يحيي ويميت، فإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون وفي اليوم الثالث من سيرها في المحيط الأطلسي وفي خضم كبرياء صناعها وركابها تصطدم بجبل جليدي عائم فيفتح فيها فجوة بطول تسعين مترًا، وبعد ساعتين وربع تستقر الباخرة التي لا تقهر ـ كما زعموا ـ في قعر المحيط ومعها ألف وخمسمائة وأربع ركاب وحمولة بلغت ستة وأربعين ألف طن، (فكلًا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا، ومنهم من أخذته الصيحة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت