فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 9

روت كتب التفسير أن عمير بن سعد هذا الفتى الصغير الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، عمير بن سعد رضي الله عنه وأرضاه، والذي مات أبوه فتزوجت أمه برجل ثري غني يقال له: الجلاس بن سويد، ولما كان في السنة التاسعة من الهجرة دعا رسول الله المسلمين أن ينفقوا، وأن يبذلوا لغزوة تبوك، فتسابق المسلمون في الإنفاق، وعاد الفتى الصغير عمير بن سعد ليقص على زوج أمه الجلاس بن سويد ما كان من أخبار المؤمنين الصادقين، وما كان من تخلف المنافقين والمرجفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الجلاس بن سويد كلمة خبيثة خطيرة، قال: يا عمير! إن كان محمد صادقًا فيما يقول فنحن شر من الحمير، وهنا حلقت عين الفتى المؤمن في وجه هذا الرجل، وقال له: والله! ما كان أحد على ظهر الأرض أحب إلي بعد رسول الله منك، أما وقد قلت هذه المقالة فلقد قلت مقالة إن قلتها فضحتك، وإن أخفيتها أهلكت نفسي وديني، فكن على حذر من أمرك؛ فإني مخبر رسول الله بما قلت، وانطلق الفتى الصادق الذي وعى ما سمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقص عليه ما كان من الجلاس بن سويد، فأجلسه النبي عنده، وأرسل النبي رجلًا ليأتيه بـ الجلاس، للتثبت والتبين قبل الحكم، وجاء الجلاس، فأنكر ما قاله الفتى المؤمن، وقال: والله! يا رسول الله! ما قلت، وإن عميرًا قد كذب علي، ولماذا أقول هذا؟! ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الفتى المؤمن وقد احتقن وجهه بالدم واحمر، وانهمرت الدموع على خده وعلى وجنيته، وارتعد وخاف، ماذا يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ووالله! لم يلبثوا إلا يسيرًا حتى نزل على رسول الله الوحي في مجلسه هذا، ونزل عليه الوحي الذي يبرئ هذا الفتى الذي رفع أكف الضراعة إلى الله وقال: اللهم أنزل على رسول الله تصديق ما قلت، ونزل قول الله جل وعلا: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} [التوبة:74] فصرخ الجلاس بن سويد وقال: صدق عمير يا رسول الله! وأتوب إلى الله يا رسول الله! وهكذا التفت النبي إلى هذا الفتى الصادق الذي بللت وجهه مرة أخرى دموع الفرح بعد دموع الحزن والألم، ومد الحبيب يده إلى أذن عمير بن سعد ففركها بيسر ولين وقال له: (لقد وفّت أذنك ما سمعت، وبرأك ربك يا عمير) !. تفسير الرازي 7/ 98 , تفسير ابن كثير 4/ 79 ,الصفدي: الوافي بالوفيات 137.

فلا تجعل نفسك في زمرة هؤلاء المنتكسين , الذين بدلوا نعمة الله كفرا , وأحلوا النقم مكان النعم.

(3) الرسالة الثالثة

"أحب الأعمال إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ"

الله تعالى بحكته ورحمته لم يكلف الناس من العبادات والطاعات والتشريعات ما لا يطيقون , بل كلفهم بما يستطيعونه ويقدرون عليه , قال تعالى:"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) سورة البقرة."

قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) سورة الطلاق.

وعَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أنَهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قَالَ: أدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ. وَقَالَ: اكْلُفُوا مِنَ الأعمال مَا تُطِيقُونَ. أخرجه أحمد 6/ 176 والبخاري 8/ 122 و"مسلم"2/ 189.

وعن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أحب الأعمال إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ. قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ. أخرجه أحمد 6/ 165. و"مسلم"2/ 189.

إن الكثير منا ليشعر بالتقصير ويؤنبه ضميره دائما لتقصيره في العبادات والتقرب من الله الطاعات فتأتيه مشاعر صادقة بعد موجة الندم تلك فنجده قد التزم بالأعمال الصالحة الكثيرة , فهو قد ألزم نفسه بالصوم المتواصل والقيام الدائم والذكر الكثير , حتى إنه يملاْ أيامه الأولى كلها بتلك الأعمال الصالحة،،ولكنه وللأسف ما إن يمضي بعض الوقت إلا ونجده قد خفت همته وبدأ حماسه يقل

وهذه آفة قد تعتري البعض منا ,, فما يأتي فجأة يذهب فجأة كما قيل، وهنا يقال لا ينبغي لمن كان يعمل صالحًا أن يتركه؛ وليحرص على مداومته لتلك الأعمال الصالحة ولو كانت تلك الأعمال قليلة , فقليل دائم خير من كثير منقطع.

عن عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ لِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا عَبْدَ اللهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ. (متفق عليه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت