فهرس الكتاب
إن الدعوة إلى قفل باب الاجتهاد في الشريعة هي دعوة إلى الجمود الفقهي، وتحجير واسع بل هو في نظري - والله أعلم - دعوة للطعن في الإسلام والنيل منه؛ لأن الزمان إذا تقدم وتطوّرت وسائله وتعقيداته واستجدت وقائعُ تحتاج إلى نظرٍ وإصدار حكمٍ شرعي لها، ولم يقم المسلمون بذلك؛ اتّهموا أنهم ( ضد كل جديد ) ، ويحارِبون التطور، ولا شك أن هذا فيه خطر كبير على الإسلام وأهله.
إن اختلاف الاجتهاد المؤدي إلى تغيّر الفتوى أمر سائغ لا محذور فيه، ولا نقيصة على المجتهد في ذلك ما دام في إطاره الصحيح؛ لأن ذلك لم يقع بالتشهّي والهوى، وإنما وقع عن علّة تُغيّر الحكم الشرعي، فهو في الحقيقة اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
إن المتتبع لمنهج الأئمة يجد أنهم ساروا على منهج واضح في التعامل مع المسائل الاجتهادية، حتى دوّنت في مناهجهم المدوّنات، وأُلفت الكتب، والذي يجمعهم في ذلك أنهم لا يتجاوزون نصًا شرعيًا يُبنى عليه الحكم، فعلى المجتهد أن يقتفيَ أثر أولئك الأئمةِ الأعلام الأفذاذ، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفّوا.
إن مسألة التكييف الفقهي من أعظم ما ينبغي للمجتهد الاعتناء به خصوصًا في هذا الزمان، لأن هذا التكييف يعين على فهم صورة المسألة للوصول إلى حكمها الصحيح .
إن الاجتهاد الجماعي له أهمية كبيرة نظرًا لما يطرأ على حياة الناس من أمور جدت على الساحة نتيجة للتقدم الذي طرأ على حياتهم؛ كما أنه كان معمولًا به في عصور الإسلام الأولى من خلال مبدأ المشاورة، وتبادل الرأي.
إن المجامع الفقهية في الوقت الحاضر من خير ما يُمثل مبدأ الاجتهاد الجماعي، فإن جهودها مشكورة من خلال إسهامها في بحث كثير من القضايا الفقهية المستجدة التي تهم الناس، ومع ذلك فإن المؤمّل منها أكثر وأكثر مما له دور في وقاية المسلمين - بإذن الله - من مشاكل الاختلاف الذي ينتج عن اختلاف الآراء الفردية .