فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 171

ولم يكن علماء المسلمين في العصور الأولى يعرفون مقرًا للعلم يجمع الناس إلا المسجد، وما زعمه بعض المؤلفين المعاصرين بأن السبب في إنشاء المسجد، يعود إلى إحساس المسلمين بأن البيوت الخاصة تضيق باجتماعاتهم، ولا تمنحهم حرية العبادة واللقاء كما يشتهون، [راجع ما كتبه أحمد شلبي في تاريخ التربية الإسلامية (4/102) ] هو صحيح من جهة أن البيوت الخاصة تضيق باللقاء، وغير صحيح من جهة، أنه لو كان السبب هو الضيق لأنشأوا لهم مباني خاصة بتعليم العلم والاجتماعات العامة، ولم يكن ذلك عسيرًا في أي عصر من العصور، وإنما الذي يبدو هو ما سبق من القصد إلى ارتباط التعليم الإسلامي بكل مناشط الحياة، سواء كانت عسكرية، أم غير ذلك حتى لا يكون لمن يريد فصل الدين عن الدولة حجة في ذلك.

والفرق بين تعليم المسجد وتعليم المدارس، شاسع من وجوه:

الوجه الأول: أن التعليم في المسجد يكتنفه جوٌ عبادي، يشعر المعلم فيه والمتعلم والسامع، أنهم في بيت من بيوت الله، فيكونون أقرب إلى الإخلاص والتجرد والنية الحسنة، لا يقصدون ـ في الغالب ـ من التعلم والتعليم إلا وجه الله.

وأهدافهم هي التفكر في الدين، وأداء العمل على وجهه الصحيح، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، لا يرجون من وراء ذلك مغنمًا ولا جاهًا ولا منصبًا. ولذلك تجد غزارة العلم وحفظه وإتقانه عند كثير من علماء المسجد في أوقات قصيرة، بخلاف طلاب المدارس وبخاصة في عصرنا هذا فإنهم - في الغالب - لا يصلون إلى مرتبة علماء المساجد في ذلك، والواقع التاريخي يشهد بذلك.

فهل خرجت المدارس والمعاهد والجامعات أمثال الخلفاء الراشدين ؟ وهل خرجت المدارس والمعاهد والجامعات أمثال الأئمة المحدثين والفقهاء والنحويين من شابههم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت