فهرس الكتاب
ولم يقتصر المسلمون على علوم الشريعة وإنما أحرزوا قصب السبق في كل العلوم التي وجدت في عهدهم، وسل عنهم من أظهر شيئًا من الإنصاف من الأوربيين تر العجب العجاب، والحق ما شهدت به الأعداء. [راجع كتاب حضارة العرب لغوستاف لوبون، وكتاب شمس العرب تسطع على الغرب لمؤلفته: زغريد فنكه] .
المبحث السَادس: المسجد دار للفتوى محكمة للقضاء
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس لأصحابه في المسجد فيسألونه، ويجيبهم، وسبق أن رجلًا سأله عن الميقات بالنسبة للمحرم فأجابه، وكان ذلك في المسجد.
وفتاواه صلى الله عليه وسلم وقضاؤه في المسجد معلومة مشهورة. قال البخاري، رحمه الله تعالى:"باب من قضى ولاعن في المسجد"ثم قال:"ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقضى شريم والشعبى ويحيى بن يعمر في المسجد، وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر، وكان الحسن وزرارة بن أوفي يقضيان في الرحبة خارجًا من المسجد".
ثم قال رحمه الله:"باب من حكم في المسجد، وساق حديث أبى هريرة، رضى الله عنه، قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربعًا، قال: (أبك جنون) قال: لا قال: (اذهبوا فارجموه) [صحيح البخاري (1/121) ] وصحيح مسلم (2/) 1318]"
وكان الصحابة رضى الله عنهم بعده، ومنهم الخلفاء الراشدون، يفتون ويقضون في المساجد، وبهذا كان المسجد دارًا للفتوى ومحكمة للقضاء.
وكان المسجد مكانًا للصلح بين المتخاصمين، وقد روى كعب بن مالك رضى الله عنه، أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في بيته، فخرج إليهما، حتى كشف حجرته فنادى: (يا كعب) قال: لبيك يا رسول الله، قال: (ضع من دينك هذا) وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: (قم فاقضه) [البخاري (1/121) ] .