الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَقْصُودًا , لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ أَوْ غَرَرٌ , فَهَذِهِ الْجَعَالَةُ , وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ لَيْسَ بِلَازِمٍ , فَإِذَا قَالَ"مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ مِائَةٌ"فَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ وَقَدْ لَا يَقْدِرُ , وَقَدْ يَرُدُّهُ مِنْ مَكَان قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ , فَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً , لَكِنْ هِيَ جَائِزَةٌ , فَإِنْ عَمِلَ الْعَمَلَ اسْتَحَقَّ الْجَعْلَ , وَإِلَّا فَلَا , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَعْلُ فِيهَا إذَا حَصَلَ بِالْعَمَلِ جُزْءًا شَائِعًا وَمَجْهُولًا جَهَالَةً لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ , كَقَوْلِ أَمِيرِ الْغَزْوِ"مَنْ دَلَّ عَلَى حِصْنٍ فَلَهُ ثُلُثُ مَا فِيهِ"أَوْ يَقُولُ لِلسَّرِيَّةِ الَّتِي يَسِيرُ بِهَا"لَكُمْ خُمُسُ مَا تَغْنَمُونَ أَوْ رُبْعُهُ". وَتَنَازَعُوا فِي السَّلَبِ: هَلْ هُوَ مُسْتَحَقٌّ بِالشَّرْعِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَوْ بِالشَّرْطِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ , وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ , فَمَنْ جَعَلَهُ مُسْتَحَقًّا بِالشَّرْطِ جَعَلَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ , وَمِنْ ذَلِكَ إذَا جَعَلَ لِلطَّبِيبِ جُعْلًا عَلَى الشِّفَاءِ جَازَ , كَمَا أَخَذَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْقَطِيعَ مِنْ الشَّاءِ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُمْ سَيِّدُ الْحَيِّ , فَرَقَاهُ أَحَدُهُمْ حَتَّى بَرِئَ , وَالْجُعْلُ كَانَ عَلَى الشِّفَاءِ لَا عَلَى الْقِرَاءَةِ , وَلَوْ اسْتَأْجَرَ طَبِيبًا إجَارَةً لَازِمَةً عَلَى الشِّفَاءِ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ الشِّفَاءَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ , فَقَدْ يَشْفِيهِ اللَّهُ وَقَدْ لَا يَشْفِيهِ , فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ الْجَعَالَةُ , دُونَ الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ .