فهرس الكتاب
ومما يُفسد تأويله رواية كهمس عند مسلم وابن ماجه، فإن لفظها:"فإنك إن لا تراه، فإنه يراك"، وكذلك في رواية سليمان التيميّ، فسلّط النفي على الرؤية، لا على الكون الذي حمل على ارتكاب التأويل المذكور. وفي رواية أبي فروة:"فإن لم تره، فإنه يراك"، ونحوه في حديث أنس، وابن عبّاس -رضي الله عنهم-، وكلّ هذا يُبطل التأويل المتقدّم. انتهى ما في"الفتح" [1] . وهو بحث نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الرجل السائل (فَمَتَى السَّاعَةُ؟) أي متى تقوم الساعة؟ وقد صرّح به في رواية عمارة بن القعقاع، واللام للعهد، والمراد يوم القيامة [2] .
وقال القرطبيّ: الساعة: هي في أصل الوضع: مقدارٌ من الزمان، غير معيّن، ولا محدود؛ لقوله تعالى: {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم: 55] وفي عرف الشرع: عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدّلين [3] : جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار انتهى [4] .
(قَالَ) -صلى الله عليه وسلم- (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) "ما"نافيةٌ، وزاد في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله عنهما الآتي:"قال: فنكّس، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئًا، ورفع رأسه، فقال: ما المسؤول ..." (بِأَعْلَمَ) هذا وإن كان مشعرا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ:"في خمس لا يعلمها إلا الله". وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فقال:"سبحان الله، خمس من الغيب، لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا الآية".
(مِنَ السَّائِلِ) متعلّق بـ"أعلم"، وإنما عدل عن قوله: لست بأعلم منك، إلى لفظٍ يُشعر بالتعميم؛ تعريضا للسامعين: أي أن كل مسئول، وكل سائل، فهو كذلك.
(1) راجع"الفتح"1/ 164 - 165.
(2) راجع"الفتح"1/ 165.
(3) "المعدّلون": هم المشتغلون بالحساب، وتقدير الزمن. انتهى من هامش"المفهم"1/ 147.
(4) راجع"المفهم"1/ 147.