الصفحة 6 من 53

ثانيًا: العولمة والسنن

كان الناس في عصرهم الأول نموذجًا مثاليًا لعولمة حضارية، وحدة على مستوى البشرية جمعاء؛ فكرية ثقافية، سياسية، اقتصادية، وكان ذلك وفقًا لمنهج الله الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ثم جاءت الأذواق والأهواء بعجرها وبجرها، فحاولت جبابرة القرون -جيلًا بعد جيل- رفض الكتاب الذي أنزل ليقوم الناس بالقسط، موظفةً الحديد والنار في محاولات شتى لفرض أضرب من"العولمة"بل لفرض نفوسهم ونفوذهم على العالمين، (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم) [1] ، (وما كان الناس إلاّ أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون) [2] .

إن إرادة الله الكونية اقتضت وجود الخلق، ومشيئته الشرعية اقتضت توحدهم على منهج الحق كما قال سبحانه: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم - وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) [3] ولكن خالفت الإرادة الكونية المشيئة الشرعية (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون) [4] ،"أي يفرحون بما هم فيه من الضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون" [5] .

فاقتضت حكمته -سبحانه وتعالى- وجود الخير والشر في هذا الكون (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [6] ، (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين - إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) [7] ، (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير) [8] ، (وَكَذَلِكَ

(1) سورة البقرة: 213.

(2) سورة يونس: 19.

(3) سورة المؤمنون: 51.

(4) سورة المؤمنون: 53.

(5) تفسير ابن كثير 3/ 248.

(6) سورة يونس: 99.

(7) سورة هود: 119.

(8) سورة التغابن: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت