الصفحة 2 من 42

الْفِقْهِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْمُعَيَّنَةِ كَمَا فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ بَعْدَهُمَا وَكَمَا فَعَلَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَنَحْوُهُ وَكَمَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ والمتكلمين: فَمَعْلُومٌ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ جَرَّدَ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ هُوَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ لَمْ يُقَسِّمْ الْكَلَامَ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ بَلْ لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِهِ مَعَ كَثْرَةِ اسْتِدْلَالِهِ وَتَوَسُّعِهِ وَمَعْرِفَتِهِ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَنَّهُ سَمَّى شَيْئًا مِنْهُ مَجَازًا وَلَا ذَكَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ ذَلِكَ؛ لَا فِي الرِّسَالَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا. وَحِينَئِذٍ فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَشْهُورِينَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُلَمَاءِ السَّلَفِ قَسَّمُوا الْكَلَامَ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ كَمَا فَعَلَهُ طَائِفَة مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَهْلِهِ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِكَلَامِ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَسَلَفِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَدْ يَظُنُّ طَائِفَة أُخْرَى أَنَّ هَذَا مِمَّا أُخِذَ مِنْ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ تَوْقِيفًا وَأَنَّهُمْ قَالُوا: هَذَا حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ كَمَا ظَنَّ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَكَانَ هَذَا مِنْ جَهْلِهِمْ بِكَلَامِ الْعَرَبِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَمَا يَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ كالرازي وَالْآمِدِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ: هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ وَلَا يَعْرِفُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ الْمُوَافِقِ لِطَرِيقِ أَئِمَّتِهِمْ فَهَذَا أَيْضًا مِنْ جَهْلِهِ وَقِلَّةِ عِلْمِهِ. وَإِنْ قَالَ النَّاقِلُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ: مُرَادِي بِذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُصَنِّفِينَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَأَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ قَسَّمُوا الْكَلَامَ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ. قِيلَ لَهُ: لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ وَشَابَهَهُمْ وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ ذَكَرُوا هَذَا التَّقْسِيمَ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِ كَذَلِكَ. ثُمَّ يُقَالُ: لَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اشْتَغَلُوا بِتَلَقِّي الْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَلِهَذَا لَا يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي يَحْكِي فِيهَا أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِينَ مِمَّنْ صَنَّفَ كِتَابًا وَذَكَرَ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُشْتَغِلِينَ بِتَلَقِّي الْأَحْكَامِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُمْ أَكْمَلُ النَّاسِ مَعْرِفَةً بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالْمَعْنَى الْمَمْدُوحِ مِنْ اسْمِ الْأُصُولِيِّ فَلَيْسَ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَسَّمَ الْكَلَامَ إلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَإِنْ أَرَادَ مَنْ عُرِفَ بِهَذَا التَّقْسِيمِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَتَهُمْ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْفُقَهَاءِ. قِيلَ لَهُ: لَا رَيْبَ أَنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ قَسَّمُوا هَذَا التَّقْسِيمَ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمْ إمَامٌ فِي فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْإِسْلَامِ لَا التَّفْسِيرِ وَلَا الْحَدِيثِ وَلَا الْفِقْهِ وَلَا اللُّغَةِ وَلَا النَّحْوِ بَلْ أَئِمَّةُ النُّحَاةِ أَهْلُ اللُّغَةِ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاءِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عَمْرٍو الشيباني وَغَيْرِهِمْ: لَمْ يُقَسِّمُوا تَقْسِيمَ هَؤُلَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت