الصفحة 56 من 82

... فإنك تراهم إذا انتهى من الأذكار كبر وسجد سجدة واحدة ، فإذا أنكرت عليه ذلك قال: أوليس النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) )؟ ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله مرافقته في الجنة: (( أعني على نفسك بكثرة السجود ) )؟ ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( ما سجد عبد لله سجدة إلا رفعه به درجة ) )، فالذي فعلته إنما هو سجود لله جل وعلا . فيقال له: نعم ونحن نقر إقرارًا جازمًا بأن السجود من جملة العبادات التي لا تصرف إلا لله عز وجل وقد وردت الأدلة بفضله وبشرف هيئته ، وهذه الأدلة المذكورة وغيرها إنما تفيد مشروعية أصل السجود ، ولكنها لا تفيد مشروعية هذه السجدة المفردة ؛ لأن شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف .

... فأصل السجود مشروع لكنه بهذا الوصف ممنوع ؛ لأنه يفعل على وجه التعبد والأصل في العبادات الوقف على الدليل ، ولأنه يفعله معتقدًا استحبابه والاستحباب حكم شرعي والأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها لدليل صحيح صريح ، ولأن هذه السجدة لم يفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع توفر أسبابها ، وكل فعلٍ توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركه ، فلو كانت هذه السجدة من الشريعة لبينها - عليه الصلاة والسلام - ؛ لأنه مأمور أمر إيجاب أن يبلغنا كل ما شرعه الله لنا ، فلما لم يبينها دل على أنها ليست من الشرع في شيء ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه فعلها فيما نعلم ، بل ولا يعرف عن أحد من السلف والأئمة أنه فعلها وإنما هي شيء استحسنه بعض الجهلة بعقله الفاسد والعقول لا تثبت أمور التشريع ؛ لأن الشرع مبناه على النقول لا على العقول ، ولا عبرة بفعل أحدٍ إذا كان مخالفًا للمعروف شرعًا ، بل ولا عبرة بسلام القصد إذا كان الفعل بدعة في الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت