وذات مرة"أوحى الله تعالى إلى النبي [- صلى الله عليه وسلم -] وحيًا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلًا غنيًا من ذوي النفوذ" (1) .
ويلخص واشنجتون إيرفنج السلوك المالي للنبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"كان الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] ينفق ما يحصل من جزية أو ما يقع في يديه من غنائم في سبيل انتصار الإسلام، وفي معاونة فقراء المسلمين، وكثيرًا ما كان ينفق في سبيل ذلك آخر درهم في بيت المال.. وهو لم يخلف وراءه دينارًا أو درهمًا أو رقيقًا.. وقد خيره الله بين مفاتيح كنوز الأرض في الدنيا وبين الآخرة فاختار الآخرة !" (2) .
وفي يوم ازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة، فانتزعت رداءه فقال:"أيها الناس، ردوا علي ردائي ! فو الذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا" (3) .
ورد على هوازن سباياهم وكانت ستة آلاف، وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله!
وحُملت إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير !! فقام إليها يقسمها، فمارد سائلًا حتى فرغ منها (4) !.
وأعطى صفوان بن أمية غنمًا ملأت واديًا بين جبلين فقال صفوان: أرى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يعطى عطاء من لا يخشى الفقر !
وفي ذلك؛ نرى في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نموذج الحاكم المسلم العفيف، الذي يتعفف عن المغانم والأموال في سبيل سد أبواب الفقر في المجتمع الإسلامي، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - بهذا المسلك يكون قدوة وأسوة للأغنياء، فيكون محفزًا لهم على البذل والإنفاق فوق الزكاة المفروضة..
المطلب الثاني: نظام الزكاة - نموذجًا:
(1) لايتنر: دين الإسلام ،133 .
(2) واشنجتون إيرفنج: حياة محمد ، ص303
(3) صحيح ـ صححه الألباني في تخريجح كتاب فقه السيرة لمحمد الغزالي ص 392.
(4) انظر: ابن سيد الناس: عيون الأثر، ج 2 / ص 421، 422.