فواصل عتبة قائلًا: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فقل يسمع لقولك، لقد أفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، ما تريد إلا أن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى (1) .. فلما عاين عتبةُ هذا الأدب الجم من رسول الله، خفف من حدة الحديث، وقال: يا بن أخى، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيًا [ يعني جنون أو مس ] تراه لا تستطيع رده عن نفسك؛ طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه.
و لا زال عتبة يتحدث إلى النبي- صلى الله عليه وسلم -، بهذا الحديث الذي لا يخلوا من التعريض أو من التجريح، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أنصات واستماع بكل احترام للشيخ ..
حتى إذا فرغ عتبة، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -- في أدب ورفق:"أفرغت يا أبا الوليد ؟"قال: نعم.
قال:"اسمع منى".
قال: أفعل.
فقرأ عليه النبي أول سورة فصلت (2) .
ثانيًا: سعيه لفك أسر شيخ كبير:
فلما أُسر عمرو بن أبي سفيان بن حرب، في معركة بدر، ووقع أسيرا في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقيل لأبي سفيان: افد عمرًا ابنك ! قال: أيجمع علي دمي ومالي، قتلوا حنظلة وأفدي عمرًا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم.
(1) السيرة الحلبية 1/456
(2) انظر: ابن كثير: السيرة النبوية 1/504