وأما صاحبهُ المبجل، وخليفته العظيم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان يقول: يا ليتني كنت شجرةً تعضدُ ثم تؤكل!! وكان له خادمٌ يأتيه بالطعام، وكان من عادةِ الصديق أن يسأله في كل مرة عن مصدرِ الطعام؛ تحرزًا من الحرام!! فجاءه خادمُه مرةً بطعامه، فنسي أن يسألَه كعادته فلما أكلَ منه لقمة قال له خادمُه: لمَ لم تسألني - يا خليفةَ رسولِ الله - كسؤالكِ في كلِ مرة؟ قال أبو بكر: فمن أين الطعامُ يا غلام؟ قال: دفعه إليَّ أناسٌ كنتُ أحسنتُ إليهم في الجاهلية بكهانةٍ صنعتُها لهم، وهنا ارتعدتْ فرائصُ الصديق، وأدخلَ يده في فمه، وقاء كلَّ ما في بطنهِ وقال: واللهِ لو لم تخرجْ تلك اللقمة إلا مع نفسي لأخرجتها، كل ذلك من شدةِ خوفه وتقواه وتورعهِ عن الحرام، وأما خوفُ عمر رضي الله عنه وشدةِ تقواه فعجبٌ من العجب، سمع قارئًا يقرأُ قولَه تعالى {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور:13] فمرض ثلاثًا يعودهُ الناس. بل إنه قرأ مرةً قولَه تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات:24] فمرض شهرًا يعودُه الناسُ مريضًا، وأما عليٌ رضي الله عنه فكان يقبض لحيته في ظلمة الليل ويقول: يا دنيا غُري غيري أليَّ تزينتِ أم إليَّ تشوقتِ طلقتك ثلاثًا لا رجعةَ فيهن زادُك قليل وعمرُك قصير، وخرج ابن مسعود مرة في جماعة فقال لهم ألكم حاجة؟! قالوا: لا؛ ولكن حبُ المسيرِ معك!! قال: اذهبوا فإنه ذلٌ للتابع، وفتنةٌ للمتبوع.