الصفحة 37 من 231

فمن خاف في بعض البلدان والأوقات من شر أعداء الله، ولم يستطع مجاهرتهم والوقوف أمامهم فله أن يتقيهم بظاهره دون باطنه ونيته، دليلُه ما روى البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر (نضحك) في وجوه أقوام، وقلوبنا تلعنهم. وهذا تنبيه إلى أن التقية واضحة المعالم، فهي في اللسان لا في القلب والعمل، قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، ويؤيد هذا المعنى قولُ الله تعالى"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"هذه الآية التي نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه حين عذبه المشركون إلى أن عرضوا عليه صرصارًا وقالوا هذا ربك، فقال نعم، فتركوه، فانطلق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يبكي ويشكو مستغفرًا. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: أقالها معتقدًا أم تقية؟ فأجاب: بل لم تتعدّ اللسان يا رسول الله، فيطمئنه النبي عليه الصلاة والسلام قائلًا"فإن عادوا فعُد".

ونسأل أنفسنا سؤال الخائف الحذر من تحذير الله تعالى حين يقول"ويحذركم الله نفسه"مِمّ يحذرنا الله تعالى إن جانبنا الصواب، فانتقل البعض إلى موالاة الكافرين؟ إن سبحانه يحذرنا نقمته في مخالفته، وسطوتَه وعذابَه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه. .. ومن يقدر على غضب الله تعالى ... نعوذ بالله من غضبه ونقمته، ونسأله العفو والرضا.

والعاقل من يتعظ بمن سلفه فماتوا، أو بمن صبّ الله عليهم نقمته فشقُوا، وليسألِ المرءُ نفسه: إلامَ النجاة في الدنيا، وليست الدنيا دار نجاة .. وإلى من نعود بعد هذه المسيرة القصيرة في هذه الحياة الفانية؟ فيأتيه الجواب سريعًا قولًا من العاقلين، وحالًا مما تراه ونسمعه ونلمسه"وإلى الله المصير"فإليه - سبحانه- المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله، فمن نجا فقد سعد، ومن هوى فقد تعس ....

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت