الصفحة 55 من 389

فَأَتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذِرَني النَّاسُ ؛ فَمَسَحَهُ فَذَهبَ عَنْهُ وأُعْطِيَ شَعرًا حَسَنًا . قالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِليْكَ ؟ قَالَ: البَقَرُ ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا ، وَقالَ: بَارَكَ الله لَكَ فِيهَا .

فَأَتَى الأَعْمَى ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ الله إِلَيَّ بَصَرِي (1) فَأُبْصِرُ النَّاسَ؛ فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرهُ. قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِليْكَ ؟ قَالَ: الغَنَمُ ، فَأُعْطِيَ شَاةً والدًا ، فَأَنْتَجَ هذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا ، فَكانَ لِهذَا وَادٍ مِنَ الإِبلِ ، وَلِهذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ .

ثُمَّ إنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ ، فَقَالَ: رَجلٌ مِسْكينٌ قَدِ انقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ في سَفَري فَلا بَلاغَ لِيَ اليَومَ إلاَّ باللهِ ثُمَّ بِكَ ، أَسْأَلُكَ بِالَّذي أعْطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ ، والجِلْدَ الحَسَنَ ، وَالمَالَ ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ في سَفَري ، فَقَالَ: الحُقُوقُ كثِيرةٌ . فَقَالَ: كأنِّي اعْرِفُكَ ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فقيرًا فأعْطَاكَ اللهُ !؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ الله إِلَى مَا كُنْتَ .

(1) تأمل قول الأعمى هذا فإنه لم يسأل إلا بصرًا يبصر به الناس فقط ، أما الأبرص والأقرع فإن كل واحد منهما تمنى شيئًا أكبر من الحاجة ؛ لأن الأبرص قال: جلدًا حسنًا ولونًا حسنًا ، وذاك قال: شعرًا حسنًا . فليس مجرد جلد أو شعر أو لون ، بل تمنيا شيئًا أكبر ، أما هذا فإن عنده زهدًا ، لذا لم يسأل إلا بصرًا يبصر به فقط .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت