فهرس الكتاب
اعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب وعن الخطاب إلى الغيبةِ قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامها، وهذا القول غير سديد، لأننا إنما نسأل عن السبب الذي قصدت العرب ذلك من أجله.
وقال الزمخشري: إن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلامِ والانتقال من أسلوب إلى أسلوبِ تطرية لنشاط السامعِ، وإيقاظًا للإصغاء إليه.
وليس الأمر كما ذكره، لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم يكن إلاّ تطرية لنشاط السامع وإيقاظًا للإصغاء إليهِ فإن ذلك دليل على أنّ السامع يمل من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره ليجد نشاطًا للاستماع، وهذا قدح في الكلامِ لا وصف له، لأنه لو كان حسنًا لما مل.
ولو سلمنا للزمخشري ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام المطوّل، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطابِ، ومن الخطاب إلى الغيبةِ في مواضع كثيرة من القرآن الكريمِ، ويكون مجموع الجانبين مما يبلغ عشرة ألفاظِ أو أقل من ذلك.
ومفهوم قول الزمخشري في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنما يستعمل قصدًا للمخالفة بين المنتقَل عنه والمنتقَل إليهِ لا قصدًا لاستعمال الأحسن، وعلى هذا فإذا وجدنا كلامًا قد استعمل في جميعه الإيجاز، ولم ينتقل عنه، أو استعمل فيه جميعه الإطناب، ولم ينتقل عنه وكان كلا الطرفين واقعًا في موقعه قلنا: هذا ليس بحسن إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا قول فيه ما فيه.
والصواب في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبةِ، أو من الغيبة إلى الخطاب لا يكون إلاّ لفائدة اقتضته، وتلك لفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تُحدُّ بحدٍِّ ولا تُضبَط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها.