فهرس الكتاب
فإنه إنما قال: { أشهد الله واشهدوا } ولم يقل:"وأشهدكم"ليكون موازنًا له وبمعناه، لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت.
وأما إشهادهم فما هو إلاّ تهاون بهم، ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهماِ وجيء به على لفظ الأمر.
وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر إلاّ أنه ليس كالأول، بل إنما يفعل ذلك توكيدًا لما أجري عليه فعل الأمر لمكان العناية بتحقيقهِ كقوله تعالى: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } [الأعراف:31] .
وكان تقدير الكلام:"أمر ربي بالقسط، وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد"فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر للعناية بتوكيده في نفوسهم.
فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية.
القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبلِ وعن المستقبل بالماضي:
الأول: الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي:
اعلم أن الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك من الإخبار بالفعل الماضي، وذاك لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيهاِ ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه جعلًا بمكانه، فإنه ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى.
بيان ذلك أن عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين:
أحدهما: بلاغي، وهو إخبار عن ماض بمستقبل.
والآخر: غير بلاغي، وليس إخبار بمستقبل عن ماض، وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض.