الصفحة 104 من 429

الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَضْرُوبَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ تَضَمَّنَتْ تَمْيِيزَهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي اللِّبَاسِ وَالشُّعُورِ وَالْمَرَاكِبِ وَغَيْرِهَا لِئَلَّا تُفْضِيَ مُشَابَهَتُهُمْ إلَى أَنْ يُعَامَلَ الْكَافِرُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ , فَسَدَتْ هَذِهِ الذَّرِيعَةُ بِإِلْزَامِهِمْ التَّمَيُّزَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ.

الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ نَاجِيَةَ بْنَ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيَّ وَقَدْ أُرْسِلَ مَعَهُ هَدْيٌ إذَا عَطِبَ مِنْهُ شَيْءٌ دُونَ الْمَحَلِّ أَنْ يَنْحَرَهُ وَيَصْبُغَ نَعْلَهُ الَّتِي قَلَّدَهُ بِهَا فِي دَمِهِ وَيُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ , وَنَهَاهُ أَنْ يَاكُلَ مِنْهُ هُوَ أَوْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ} , قَالُوا: وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَاكُلَ مِنْهُ أَوْ يُطْعِمَ أَهْلَ رُفْقَتِهِ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَحَلِّ فَرُبَّمَا دَعَاهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُقَصِّرَ فِي عَلَفِهَا وَحِفْظِهَا لِحُصُولِ غَرَضِهِ مِنْ عَطَبِهَا دُونَ الْمَحَلِّ كَحُصُولِهِ بَعْدَ بُلُوغِ الْمَحَلِّ مِنْ أَكْلِهِ هُوَ وَرُفْقَتُهُ وَإِهْدَائِهِمْ إلَى أَصْحَابِهِمْ , فَإِذَا أَيِسَ مِنْ حُصُولِ غَرَضِهِ فِي عَطَبِهَا كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إلَى حِفْظِهَا حَتَّى تَبْلُغَ مَحَلَّهَا وَأَحْسَمَ لِمَادَّةِ هَذَا الْفَسَادِ , وَهَذَا مِنْ أَلْطَفِ أَنْوَاعِ سَدِّ الذَّرَائِعِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ الْمُلْتَقِطَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى اللَّقْطَةِ , وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ أَمِينٌ , وَمَا ذَاكَ إلَّا سَدٌّ لِذَرِيعَةِ الطَّمَعِ وَالْكِتْمَانِ , فَإِذَا بَادَرَ وَأَشْهَدَ كَانَ أَحْسَمَ لِمَادَّةِ الطَّمَعِ وَالْكِتْمَانِ , وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَلْطَفِ أَنْوَاعِهَا.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ} وَذَمَّ الْخَطِيبَ الَّذِي قَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ , وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى , سَدًّا لِذَرِيعَةِ التَّشْرِيكِ فِي الْمَعْنَى بِالتَّشْرِيكِ فِي اللَّفْظِ , وَحَسْمًا لِمَادَّةِ الشِّرْكِ حَتَّى فِي اللَّفْظِ , وَلِهَذَا قَالَ لِلَّذِي قَالَ لَهُ: {مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت: أَجَعَلْتنِي لِلَّهِ نِدًّا} ؟ فَحَسَمَ مَادَّةَ الشِّرْكِ وَسَدَّ الذَّرِيعَةَ إلَيْهِ فِي اللَّفْظِ كَمَا سَدَّهَا فِي الْفِعْلِ وَالْقَصْدِ , فَصَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أَكْمَلَ صَلَاةٍ وَأَتَمَّهَا وَأَزْكَاهَا [وَأَعَمَّهَا]

الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ الْمَامُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا قُعُودًا إذَا صَلَّى إمَامُهُمْ قَاعِدًا وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ ذَلِكَ , وَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ مَا يَنْسَخُهُ , وَمَا ذَاكَ إلَّا سَدًّا لِذَرِيعَةِ مُشَابَهَةِ الْكُفَّارِ حَيْثُ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ كَمَا عَلَّلَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ , وَهَذَا التَّعْلِيلُ مِنْهُ يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ , مَعَ أَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِاللَّيْلِ إذَا نَعَسَ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَرْقُدْ , وَقَالَ: لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ , فَأَمَرَهُ بِالنَّوْمِ لِئَلَّا تَكُونَ صَلَاتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ ذَرِيعَةً إلَى سَبِّهِ لِنَفْسِهِ , وَهُوَ لَا يَشْعُرُ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ.

الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الشَّارِعَ صلوات الله عليه نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ أَوْ يَسْتَامَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ أَوْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ , وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى التَّبَاغُضِ وَالتَّعَادِي ; فَقِيَاسُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَسْتَاجِرُ عَلَى إجَارَتِهِ وَلَا يَخْطُبَ وِلَايَةً وَلَا مَنْصِبًا عَلَى خِطْبَتِهِ , وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى وُقُوعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت