فهرس الكتاب
فَقَالَ الرَّجُلُ: أُفٍّ أُفٍّ , وَإِنَّمَا أَرَادَ شُرَيْحٌ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُقِيمُهَا. وَبَاعَ مِنْ رَجُلٍ نَاقَةً , فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: كَمْ تَحْمِلُ؟ فَقَالَ: احْمِلْ عَلَى الْحَائِطِ مَا شِئْت , فَقَالَ: كَمْ تَحْلِبُ؟ قَالَ: احْلِبْ فِي أَيِّ إنَاءٍ شِئْت , فَقَالَ: كَيْفَ سَيْرُهَا؟ قَالَ: الرِّيحُ لَا تُلْحَقُ , فَلَمَّا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , فَجَاءَ إلَيْهِ وَقَالَ: مَا وَجَدْت شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ: مَا كَذَبْتُك. قَالُوا: وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الْعُقُودَ وَسَائِلَ وَطُرُقًا إلَى إسْقَاطِ الْحُدُودِ وَالْمَاثَمِ , وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَ الْإِنْسَانُ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شُبْهَةٍ لَزِمَهُ الْحَدُّ , فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدَ النِّكَاحِ ثُمَّ وَطِئَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَدُّ , وَكَانَ الْعَقْدُ حِيلَةً عَلَى إسْقَاطِ الْحَدِّ , بَلْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَاللِّبَاسَ حِيلَةً عَلَى دَفْعِ أَذَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْبَرْدِ , وَالِاكْتِفَاءَ حِيلَةً إلَى دَفْعِ الصَّائِلِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ , وَعَقْدَ التَّبَايُعِ حِيلَةً عَلَى حُصُولِ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ , وَسَائِرَ الْعُقُودِ حِيلَةً عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهَا , وَشُرِعَ الرَّهْنُ حِيلَةً عَلَى رُجُوعِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فِي مَالِهِ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ إذَا أَفْلَسَ الرَّاهِنُ أَوْ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى سَلَمَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ يَزِيدَ الْوَاسِطِيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ {: سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُخْبِرَكَ , فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَجْلِسِهِ , فَلَمَّا أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَخْبَرَهُ بِالْآيَةِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ رِجْلَهُ الْأُخْرَى} , وَقَدْ بَنَى الْخَصَّافُ كِتَابَهُ فِي الْحِيَلِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ , وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَأَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ الْحِنْثِ بِفِعْلِ بَعْضِهِ لَمْ يَكُنْ حَانِثًا , فَإِذَا حَلَفَ لَا يَاكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ وَلَا يَاخُذُ هَذَا الْمَتَاعَ فَلْيَدَعْ بَعْضَهُ وَيَاخُذَ الْبَاقِيَ وَلَا يَحْنَثُ , وَهَذَا أَصْلٌ فِي بَابِهِ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ الْأَيْمَانِ. وَهَذَا السَّلَفُ الطَّيِّبُ قَدْ فَتَحُوا لَنَا هَذَا الْبَابَ , وَنَهَجُوا لَنَا هَذَا الطَّرِيقَ , فَرَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ أَخَذَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ لِي مَعَك حَقًّا , فَقَالَ: لَا , فَقَالَ: احْلِفْ لِي بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ , فَقَالَ: يَحْلِفُ لَهُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ , وَيَعْنِي بِهِ مَسْجِدَ حَيِّهِ , وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّ فُلَانًا أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا , وَأَنَا لَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ , فَكَيْفَ الْحِيلَةُ؟ قَالَ: يَقُولُ وَاَللَّهِ مَا أُبْصِرُ إلَّا مَا سَدَّدَنِي غَيْرِي. وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: جَعَلَ حُذَيْفَةُ يَحْلِفُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَلَى أَشْيَاءَ بِاَللَّهِ مَا قَالَهَا , وَقَدْ سَمِعْنَاهُ يَقُولُهَا , فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , سَمِعْنَاك تَحْلِفُ لِعُثْمَانَ عَلَى أَشْيَاءَ مَا قُلْتهَا , وَقَدْ سَمِعْنَاك قُلْتهَا , فَقَالَ: إنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّهُ , وَذَكَرَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: إنِّي أَنَالُ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا فَيَبْلُغُهُ عَنِّي , فَكَيْفَ أَعْتَذِرُ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ إبْرَاهِيمُ: قُلْ وَاَللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَيَعْلَمُ مَا قُلْت مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ , وَكَانَ إبْرَاهِيمُ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ إذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ مِنْ الْحَجَّاجِ: إنْ سُئِلْتُمْ عَنِّي فَاحْلِفُوا بِاَللَّهِ لَا تَدْرُونَ أَيْنَ أَنَا , وَلَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَنَا , وَاعْنُوا لَا تَدْرُونَ أَيْنَ أَنَا مِنْ الْبَيْتِ , وَفِي أَيِّ مَوْضِعٌ مِنْهُ , وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا يَسُرُّنِي بِمَعَارِيضِ الْكَلَامِ حُمُرُ النَّعَمِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ - وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ - {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: رَخَّصَ فِي الْكَذِبِ فِي ثَلَاثٍ: فِي الرَّجُلِ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ , وَالرَّجُلِ يَكْذِبُ لِامْرَأَتِهِ , وَالْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ} . وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ: