الصفحة 137 من 429

لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ , وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ الْكَامِلَةَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَغِذَاءً لِحِفْظِ حَيَاتِهِمْ , وَدَوَاءً لِدَفْعِ أَدْوَائِهِمْ , وَظِلَّهُ الظَّلِيلَ الَّذِي مَنْ اسْتَظَلَّ بِهِ أَمِنَ مِنْ الْحَرُورِ , وَحِصْنَهُ الْحَصِينَ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ نَجَا مِنْ الشُّرُورِ , فَتَعَالَى شَارِعُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْفَائِقَةِ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ أَنْ يَشْرَعَ فِيهَا الْحِيَلَ الَّتِي تُسْقِطُ فَرَائِضَهُ , وَتُحِلُّ مَحَارِمَهُ , وَتُبْطِلُ حُقُوقَ عِبَادِهِ , وَيَفْتَحُ لِلنَّاسِ أَبْوَابَ الِاحْتِيَالِ , وَأَنْوَاعَ الْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ , وَأَنْ يُبِيحَ التَّوَصُّلَ بِالْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ , إلَى الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ الْمَمْنُوعَةِ , وَأَنْ يَجْعَلَهَا مُضْغَةً لِأَفْوَاهِ الْمُحْتَالِينَ , عُرْضَةً لِأَغْرَاضِ الْمُخَادِعِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ , وَيُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ , وَيَرْتَكِبُونَ الْعَبَثَ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ سِوَى ضِحْكَةِ الضَّاحِكِينَ وَسُخْرِيَةِ السَّاخِرِينَ. فَيُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَانَ , وَيَتَلَاعَبُونَ بِحُدُودِهِ كَتَلَاعُبِ الْمُجَّانِ , فَيُحَرِّمُونَ الشَّيْءَ ثُمَّ يَسْتَحِلُّونَهُ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ , وَيَسْلُكُونَ إلَيْهِ نَفْسَهُ طَرِيقًا تُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُهُ , وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ لَا غَيْرُهُ , وَيُسْقِطُونَ الْحُقُوقَ الَّتِي وَصَّى اللَّهُ بِحِفْظِهَا وَأَدَائِهَا بِأَدْنَى شَيْءٍ , وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الصُّورَةِ أَوْ الِاسْمِ أَوْ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِمَا , وَيَسْتَحِلُّونَ بِالْحِيَلِ مَا هُوَ أَعْظَمُ فَسَادًا مِمَّا يُحَرِّمُونَهُ وَيُسْقِطُونَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ وُجُوبًا مِمَّا يُوجِبُونَهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَّهَ شَرِيعَتَهُ عَنْ هَذَا التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ , وَجَعَلَهَا كَفِيلَةٍ وَافِيَةً بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ , وَجَعَلَهَا مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ , وَنَصَبَهَا طَرِيقًا مُرْشِدًا لِمَنْ سَلَكَهُ إلَيْهِ ; فَهُوَ نُورُهُ الْمُبِينُ , وَحِصْنُهُ الْحَصِينُ , وَظِلُّهُ الظَّلِيلُ , وَمِيزَانُهُ الَّذِي لَا يَعُولُ , لَقَدْ تَعَرَّفَ بِهَا إلَى أَلِبَّاءِ عِبَادِهِ غَايَةَ التَّعَرُّفِ , وَتَحَبَّبَ بِهَا إلَيْهِمْ غَايَةَ التَّحَبُّبِ , فَأَنِسُوا بِهَا مِنْ حِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ , وَتَمَّتْ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنْهُ نِعَمُهُ السَّابِغَةُ , وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الَّذِي فِي شَرْعِهِ أَعْظَمُ آيَةٍ تَدُلُّ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَتَوَحُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ , وَأَنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ , الْمُسْتَحِقُّ لِنُعُوتِ الْجَلَالِ , الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى , فَلَا يَدْخُلُ السُّوءُ فِي أَسْمَائِهِ وَلَا النَّقْصُ وَالْعَيْبُ فِي صِفَاتِهِ , وَلَا الْعَبَثُ وَلَا الْجَوْرُ فِي أَفْعَالِهِ , بَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ فِي ذَاتِهِ وَأَوْصَافِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ عَمَّا يُضَادُّ كَمَالِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. تَبَارَكَ اسْمُهُ , وَتَعَالَى جَدُّهُ , وَبَهَرَتْ حِكْمَتُهُ , وَتَمَّتْ نِعْمَتُهُ , وَقَامَتْ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّتُهُ , وَاَللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا أَنْ يَكُونَ فِي شَرْعِهِ تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ , فَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا بَلْ هِيَ شَرِيعَةٌ مُؤْتَلِفَةُ النِّظَامِ , مُتَعَادِلَةُ الْأَقْسَامِ , مُبَرَّأَةٌ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ , مُطَهَّرَةٌ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا , مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ , وَالْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ , قَوَاعِدُهَا وَمَبَانِيهَا , إذَا حَرَّمَتْ فَسَادًا حَرَّمَتْ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ أَوْ نَظِيرَهُ , وَإِذَا رَعَتْ صَلَاحًا رَعَتْ مَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ شِبْهَهُ ; فَهِيَ صِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا أَمْتَ فِيهِ وَلَا عِوَجَ , وَمِلَّتُهُ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ الَّتِي لَا ضِيقَ فِيهَا وَلَا حَرَجَ , بَلْ هِيَ حَنِيفِيَّةُ التَّوْحِيدِ سَمْحَةُ الْعَمَلِ , لَمْ تَامُرْ بِشَيْءٍ فَيَقُولُ الْعَقْلُ لَوْ نَهَتْ عَنْهُ لَكَانَ أَوْفَقَ , وَلَمْ تَنْهَ عَنْ شَيْءٍ فَيَقُولُ الْحِجَا لَوْ أَبَاحَتْهُ لَكَانَ أَرْفَقِ , بَلْ أَمَرَتْ بِكُلِّ صَلَاحٍ , وَنَهَتْ عَنْ كُلِّ فَسَادٍ , وَأَبَاحَتْ كُلِّ طَيِّبٍ , وَحَرَّمَتْ كُلِّ خَبِيثٍ , فَأَوَامِرُهَا غِذَاءٌ وَدَوَاءٌ , وَنَوَاهِيهَا حِمْيَةٌ وَصِيَانَةٌ , وَظَاهِرُهَا زِينَةٌ لِبَاطِنِهَا , وَبَاطِنُهَا أَجْمَلُ مِنْ ظَاهِرِهَا , شِعَارُهَا الصِّدْقُ , وَقَوَامُهَا الْحَقُّ , وَمِيزَانُهَا الْعَدْلُ , وَحُكْمُهَا الْفَصْلُ , لَا حَاجَةَ بِهَا أَلْبَتَّةَ إلَى أَنْ تُكَمَّلَ بِسِيَاسَةِ مَلِكٍ أَوْ رَايِ ذِي رَايٍ أَوْ قِيَاسِ فَقِيهٍ أَوْ ذَوْقِ ذِي رِيَاضَةٍ أَوْ مَنَامِ ذِي دِينٍ وَصَلَاحٍ , بَلْ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ أَعْظَمُ الْحَاجَةِ إلَيْهَا , وَمَنْ وُفِّقَ لِلصَّوَابِ فَلِاعْتِمَادِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت