فهرس الكتاب
وَنَظِيرُهُ لَوْ ادَّعَى عَلَى أُمِّ مُرَاهِقٍ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ قَذْفًا يُوجِبُ الْحَدَّ أَوْ مَالًا مِنْ مُبَايَعَةٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ , وَادَّعَى أَنَّهُ بَالِغٌ , وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ فَأَنْكَرَ الْغُلَامُ ذَلِكَ , فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ , وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ ; إذْ لَوْ حَلَّفْنَاهُ لَحَكَمْنَا بِصِغَرِهِ , وَالْحُكْمُ بِالصِّغَرِ يُسْقِطُ الْيَمِينَ عَنْهُ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَا يَمِينٌ لَمْ يَكُنْ رَدُّ يَمِينٍ ; لِأَنَّ رَدَّ الْيَمِينِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ نُكُولِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ الْمَرِيضُ جَارِيَةً لَهُ قِيمَتُهَا مِائَةٌ , وَتَزَوَّجَ بِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ , وَمَهْرُهَا مِائَةٌ , وَتَرَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ , فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ , وَلَا مَهْرَ لَهَا , وَلَا مِيرَاثَ , أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلِأَنَّهَا لَوْ وَرِثَتْ لَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِهَا ; لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ , وَفِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بُطْلَانُ الْحُرِّيَّةِ , وَفِيهِ بُطْلَانُ الْمِيرَاثِ. وَأَمَّا سُقُوطُ الْمَهْرِ فَلِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَرَكِبَ السَّيِّدُ دَيْنٌ , وَلَمْ تَخْرُجْ قِيمَتُهَا مِنْ الثُّلُثِ , فَيَبْطُلُ عِتْقُهَا كُلُّهَا , فَلَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْكِحَهَا وَبَعْضُهَا رَقِيقٌ , فَيَبْطُلُ الْمَهْرُ , فَكَانَ ثُبُوتُ الْمَهْرِ مُؤَدِّيًا إلَى بُطْلَانِهِ. فَالْحُكْمُ بِإِبْطَالِهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} فَعَيَّرَ تَعَالَى مَنْ نَقَضَ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَهُ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إثْبَاتُهُ مُؤَدِّيًا إلَى نَفْيِهِ وَإِبْطَالِهِ كَانَ بَاطِلًا , فَهَذَا مَا احْتَجَّ بِهِ السُّرَيْجِيُّونَ.
[الرَّدُّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ قَالَ الْآخَرُونَ لَقَدْ أَطَلْتُمْ الْخَطْبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , وَلَمْ تَاتُوا بِطَائِلٍ , وَقُلْتُمْ وَلَكِنْ تَرَكْتُمْ مَقَالًا لِقَائِلٍ , وَتَابَى قَوَاعِدُ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ لِهَذِهِ الْمَسَائِلِ تَصْحِيحًا , وَالْمِيزَانُ الْعَادِلُ لَهَا عِنْدَ الْوَزْنِ تَرْجِيحًا , وَهَيْهَاتَ أَنْ تَكُونَ شَرِيعَتُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُشَابَهَةً لِشَرِيعَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ; إذْ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ وَتُسَدُّ دُونَهُ الْأَبْوَابِ. وَهَلْ هَذَا إلَّا تَغْيِيرٌ لِمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ. وَإِلْزَامٌ لَهَا بِالْأَقْوَالِ الشَّنِيعَةِ؟ وَهَذَا أَشْنَعُ مِنْ سَدِّ بَابِ النِّكَاحِ بِتَصْحِيحِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ لِكُلِّ مَنْ تَزَوَّجَهَا فِي مُدَّةِ عُمُرِهِ ; فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَظِيرَ سَدِّ بَابِ الطَّلَاقِ , لَكِنْ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ , وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَمِمَّا حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَعْصَارِ الْمُفَضَّلَةِ. وَنَحْنُ نُبَيِّنُ مُنَاقَضَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَالْعَقْلِ , ثُمَّ نُجِيبُ عَنْ شُبَهِكُمْ شُبْهَةً شُبْهَةً. أَمَّا مُنَاقَضَتُهَا لِلشَّرْعِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِلْأَزْوَاجِ - إذَا أَرَادُوا اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَالتَّخَلُّصَ مِنْ الْمَرْأَةِ - الطَّلَاقَ , وَجَعَلَهُ بِحِكْمَتِهِ ثَلَاثًا تَوْسِعَةً عَلَى الزَّوْجِ ; إذْ لَعَلَّهُ يَبْدُو لَهُ وَيَنْدَمُ فَيُرَاجِعُهَا , وَهَذَا مِنْ تَمَامِ حِكْمَتِهِ وَرَافَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ , وَلَمْ يَجْعَلْ أَنْكِحَتَهُمْ كَأَنْكِحَةِ النَّصَارَى تَكُونُ الْمَرْأَةُ غُلًّا فِي عُنُقِ الرَّجُلِ إلَى الْمَوْتِ , وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الشَّرِيعَتَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ , وَأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُنَافِيَةٌ لِإِحْدَاهُمَا مُنَافَاةٌ ظَاهِرَةٌ , وَمُشْتَقَّةٌ مِنْ الْأُخْرَى اشْتِقَاقًا ظَاهِرًا , وَيَكْفِي هَذَا الْوَجْهُ وَحْدَهُ فِي إبْطَالِهَا. وَأَمَّا مُنَاقَضَتُهَا لِلُّغَةِ فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ كَلَامًا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا , وَمَضْمُونُهُ إذَا وُجِدَ الشَّيْءُ لَمْ يُوجَدْ , وَإِذَا وُجِدَ الشَّيْءُ الْيَوْمَ فَهُوَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْيَوْمِ , وَإِذَا فَعَلْتُ الشَّيْءَ الْيَوْمَ فَقَدْ وَقَعَ مِنِّي قَبْلَ الْيَوْمِ , وَنَحْوَ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ فِي نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ إلَى الْمُحَالِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَقَالِ. وَأَمَّا مُنَاقَضَتُهَا لِقَضَايَا الْعُقُولِ فَلِأَنَّ الشَّرْطَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَأَخَّرَ وُجُودُهُ عَنْ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ , وَيَتَقَدَّمَ الْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ فِي الْوُجُودِ , هَذَا مِمَّا لَا يَغْفُلُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ ; فَإِنَّ رُتْبَةَ الشَّرْطِ التَّقَدُّمُ أَوْ الْمُقَارَنَةُ , وَالْفُقَهَاءُ وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ مَعَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ ; فَلَوْ صَحَّ تَعْلِيقُ الْمَشْرُوطِ بِشَرْطٍ مُتَأَخِّرٍ بَعْدَهُ لَكَانَ ذَلِكَ إخْرَاجًا لَهُ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا أَوْ جُزْءَ شَرْطٍ أَوْ عِلَّةً أَوْ سَبَبًا ; فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَسْبِقُ شَرْطَهُ وَلَا سَبَبَهُ وَلَا عِلَّتَهُ ; إذْ فِي ذَلِكَ إخْرَاجُ الشُّرُوطِ وَالْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ عَنْ