فهرس الكتاب
الْبَاطِلُ شَرْعًا وَعَقْلًا , وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ اقْتِضَاءِ السَّبَبِ لِمُسَبَّبِهِ إنَّمَا هُوَ وَصْفٌ ثَابِتٌ يُعَارِضُ سَبَبِيَّتَهُ فَيُوقِفُهَا عَنْ اقْتِضَائِهَا , فَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مُعَارِضًا لِلْوَصْفِ الثَّابِتِ , وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ , وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
فَصْلٌ: [جَوَابُ مَنْ قَالَ بِالْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ] قَالَ السُّرَيْجِيُّونَ: لَقَدْ ارْتَقَيْتُمْ مُرْتَقًى صَعْبًا , وَأَسَاتُمْ الظَّنَّ بِمَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُمْ أَئِمَّةٌ عُلَمَاءُ لَا يُشَقُّ غُبَارُهُمْ , وَلَا تُغْمَزُ قَنَاتُهُمْ , كَيْفَ وَقَدْ أَخَذُوهَا مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى , وَبَنَوْهَا عَلَى أُصُولِهِ , وَنَظَّرُوا لَهَا النَّظَائِرَ , وَأَتَوْا لَهَا بِالشَّوَاهِدِ؟ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ:"أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ"ثُمَّ مَاتَ لِأَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ بَعْدَ هَذَا التَّعْلِيقِ ; وَقَعَ الطَّلَاقُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ وَهَذَا إيقَاعُ طَلَاقٍ فِي زَمَنٍ مَاضٍ سَابِقٍ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ مَوْتُهُ , فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ قَبْلَهُ , وَإِيضَاحُ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِ الْكَلَامِ مَخْرَجَ الشَّرْطِ , كَقَوْلِهِ:"إنْ مِتَّ - أَوْ إذَا مِتَّ - فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ"وَنَحْنُ نُلْزِمُكُمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ , فَإِنَّكُمْ مُوَافِقُونَ عَلَيْهِ , وَكَذَا قَوْلُهُ قَبْلَ دُخُولِهِ:"أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةً"فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهَا طَلْقَتَانِ , وَإِحْدَاهُمَا وَقَعَتْ فِي زَمَنٍ مَاضٍ سَابِقٍ عَلَى التَّطْلِيقِ , وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ:"إنَّ الْوُقُوعَ كَمَا لَمْ يَسْبِقْ الْإِيقَاعَ فَلَا يَسْبِقُ الطَّلَاقُ التَّطْلِيقَ فَكَذَا لَا يَسْبِقُ شَرْطَهُ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ , وَيَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى شَرْطِهِ وَأَحَدِ سَبَبَيْهِ أَوْ أَسْبَابِهِ"فَإِنَّ الشَّرْطَ مُعَرَّفٌ , مَحْضٌ وَلَا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ الْمُعَرَّفِ عَلَيْهِ , وَأَمَّا تَقْدِيمُهُ عَلَى أَحَدِ سَبَبَيْهِ فَكَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ بَعْدَ الْيَمِينِ , وَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ , وَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْجُرْحِ قَبْلَ الزُّهُوقِ , وَنَظَائِرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ:"إنَّ الشَّرْطَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَشْرُوطِ"فَمَمْنُوعٌ بَلْ مُقْتَضَى الشَّرْعِ تَوَقُّفُ الْمَشْرُوطِ عَلَى وُجُودِهِ , وَأَنَّهُ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ , وَلَيْسَ مُقْتَضَاهُ تَأَخُّرُ الْمَشْرُوطِ عَنْهُ , وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ , وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ إلَى نَصٍّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ وَلَا إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَلَا عَقْلِيٍّ , فَدَعْوَاهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ , وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يَتَقَدَّمُ مَشْرُوطُهُ , وَلَكِنَّ دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا , وَحَتَّى لَوْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِثْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ; لِأَنَّ الشُّرُوطَ فِي كَلَامِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ كَقَوْلِهِ:"إنْ زُرْتَنِي أَكْرَمْتُكَ""وَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ جِئْتُكَ"فَيَقْتَضِي الشَّرْطُ ارْتِبَاطًا بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي: فَلَا يَتَقَدَّمُ الْمُتَأَخِّرُ وَلَا يَتَأَخَّرُ الْمُتَقَدِّمُ , وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَتَقْبَلُ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ وَالِانْتِقَالَ , كَمَا لَوْ قَالَ:"إذَا مِتَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ"وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ قَالَ مِثْلَ هَذَا فِي الْحِسِّيَّاتِ كَانَ مُحَالًا , فَلَوْ قَالَ:"إذَا زُرْتنِي أَكْرَمْتُكَ قَبْلَ أَنَّ تَزُورَنِي بِشَهْرٍ"كَانَ مُحَالًا , إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ , وَهُوَ إذَا أَرَدْتَ أَوْ عَزَمْتَ عَلَى زِيَارَتِي أَكْرَمْتُكَ قَبْلَهَا. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ نَقْلَ الْحَقَائِقِ عَنْ مَوَاضِعِهَا مُمْتَنِعٌ , وَالْأَحْكَامُ قَابِلَةٌ لِلنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّاخِيرِ , وَلِهَذَا لَوْ قَالَ:"أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي"فَفَعَلَ ; وَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ الْقَائِلِ , وَجُعِلَ الْمِلْكُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْعِتْقِ حُكْمًا , وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ حَقِيقَةً. وَقَوْلُكُمْ:"يَلْزَمُنَا تَجْوِيزُ تَقْدِيمِ الطَّلَاقِ عَلَى التَّطْلِيقِ"فَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ ; فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ بِإِيقَاعِهِ ; فَلَا يَسْبِقُ إيقَاعَهُ , بِخِلَافِ الشَّرْطِ , فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ , وَإِنَّمَا يَرْتَبِطُ بِهِ , وَالِارْتِبَاطُ أَعَمُّ مِنْ السَّابِقِ وَالْمُقَارِنِ وَالْمُتَأَخِّرِ , وَالْأَعَمُّ