فهرس الكتاب
الْإِلْفِ بِهَا , وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ أَنْ يَنْزِغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمَا فَيَقَعَ مِنْهُ طَلَاقُهَا مِنْ غَضْبَةٍ أَوْ مَوْجِدَةٍ , أَوْ يَحْلِفُ يَمِينًا بِالطَّلَاقِ أَوْ يُبْلَى بِمَنْ يَسْتَحْلِفُهُ بِالطَّلَاقِ وَيُضْطَرُّ إلَى الْحِنْثِ , أَوْ يُبْلَى بِظَالِمٍ يُكْرِهُهُ عَلَى الطَّلَاقِ وَيَرْفَعُهُ إلَى حَاكِمٍ يُنَفِّذُهُ , أَوْ يُبْلَى بِشَاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ , وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ بِهِ , وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْأَمْنِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ , وَلَا طَرِيقَ أَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ ; فَلَا يُنْكَرُ مِنْ مَحَاسِنِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ أَنْ تَاتِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ , وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ فِي ذَلِكَ نَوْعَ ضَرَرٍ عَلَيْهِ , لَكِنَّ رَايَ احْتِمَالِهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْفِرَاقِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْبَقَاءِ , وَمَا يُنْكَرُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ دَفْعِ أَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا؟.
فَصْلٌ: [الْجَوَابُ عَلَى شُبَهِ أَصْحَابِ الْحِيلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ] قَالَ الْمُوَقِّعُونَ: لَقَدْ دَعَوْتُمْ الشُّبَهَ الْجَفَلَى إلَى وَلِيمَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , فَلَمْ تَدَعُوا مِنْهَا دَاعِيًا وَلَا مُجِيبًا , وَاجْتَهَدْتُمْ فِي تَقْرِيرِهَا ظَانِّينَ إصَابَةَ الِاجْتِهَادِ , وَلَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا. وَنَثَرْتُمْ عَلَيْهَا مَا لَا يَصْلُحُ مِثْلُهُ لِلنِّثَارِ , وَزَيَّنْتُمُوهَا بِأَنْوَاعِ الْحُلِيِّ , وَلَكِنَّهُ حُلِيٌّ مُسْتَعَارٌ ; فَإِذَا اسْتَرَدَّتْ الْعَارَةَ زَالَ الِالْتِبَاسُ وَالِاشْتِبَاهُ , وَهُنَاكَ تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ. فَأَمَّا قَوْلُكُمْ:"إنَّا ارْتَقَيْنَا مُرْتَقًى صَعْبًا , وَأَسَانَا الظَّنَّ بِمَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ"فَإِنْ أَرَدْتُمْ بِإِسَاءَةِ الظَّنِّ بِهِمْ تَاثِيمًا أَوْ تَبْدِيعًا فَمَعَاذَ اللَّهِ , بَلْ أَنْتُمْ أَسَاتُمْ بِنَا الظَّنَّ , وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِإِسَاءَةِ الظَّنِّ أَنَّا لَمْ نُصَوِّبُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , وَرَأَيْنَا الصَّوَابَ فِي خِلَافِهِمْ فِيهَا ; فَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي كُلِّ مَا تَنَازَعْنَا فِيهِ , بَلْ سَائِرُ الْمُتَنَازِعِينَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ , وَقَدْ صَرَّحَ الْأَرْبَعَةُ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ , وَلَيْسَتْ كُلُّهَا صَوَابًا. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ:"إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَاخُوذَةٌ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ"فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً لَهُ فَقَوْلُهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ يُحْتَجُّ لَهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ , وَقَدْ نَازَعَهُ الْجُمْهُورُ فِيهَا , وَالْحُجَّةُ تَفْصِلُ مَا بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ. الثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله تعالى عنه لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُهَا. وَغَايَةُ مَا ذَكَرْتُمْ نَصُّهُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ:"أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ"فَإِذَا مَاتَ لِأَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ مِنْ وَقْتِ هَذَا التَّعْلِيقِ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ. وَهَذَا قَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ مَنْ يُبْطِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ , وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا هُوَ نَظِيرُهَا. وَلَيْسَ فِيهِ سَبْقُ الطَّلَاقِ لِشَرْطِهِ , وَلَا هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْمُحَالِ ; إذْ حَقِيقَتُهُ إذَا بَقِيَ مِنْ حَيَاتِي شَهْرٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَهَذَا الْكَلَامُ مَعْقُولٌ غَيْرُ مُتَنَاقِضٍ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمُ الطَّلَاقِ عَلَى زَمَنِ التَّطْلِيقِ وَلَا عَلَى شَرْطِ وُقُوعِهِ , وَإِنَّمَا نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا أَنْ يَقُولَ:"إذَا مِتَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ"وَهَذَا الْمُحَالُ بِعَيْنِهِ , وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ:"إذَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا"أَوْ يَقُولَ:"أَنْتِ طَالِقٌ عَامَ الْأَوَّلِ"فَمَسْأَلَةُ الشَّافِعِيِّ شَيْءٌ وَمَسْأَلَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ شَيْءٌ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا أَوْقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ إذَا مَاتَ لِأَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ مِنْ حِينِ التَّعْلِيقِ ; فَلَوْ مَاتَ عَقِيبَ الْيَمِينِ لَمْ تَطْلُقْ , وَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ:"أَنْتِ طَالِقٌ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي"وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ:"أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ"فَإِنَّ كِلَا الْوَقْتَيْنِ لَيْسَ بِقَابِلٍ لِلطَّلَاقِ ; لِأَنَّهَا فِي أَحَدِهِمَا لَمْ تَكُنْ مَحَلًّا , وَفِي الثَّانِي لَمْ تَكُنْ فِيهِ طَالِقًا قَطْعًا , فَقَوْلُهُ:"أَنْتِ طَالِقٌ فِي وَقْتٍ قَدْ مَضَى"وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ طَالِقًا إمَّا إخْبَارٌ كَاذِبٌ أَوْ إنْشَاءٌ بَاطِلٌ , وَقَدْ قِيلَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَيَلْغُو قَوْلُهُ:"أَمْسِ"لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ثُمَّ وَصَلَ بِهِ مَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ أَوْ يَرْفَعُهُ فَلَا يَصْلُحُ وَيَقَعُ لَغْوًا , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:"أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةً"لَيْسَ فِيهِ إيقَاعُ