الصفحة 193 من 429

وسلم بِعَيْنِهِ لِلْمَفْسَدَةِ الَّتِي يُفْضِي إلَيْهَا مِنْ التَّشَاجُرِ وَالتَّشَاحُنِ , فَإِنَّ الثِّمَارَ تُصِيبُهَا الْعَاهَاتُ كَثِيرًا , فَيُفْضِي بَيْعُهَا قَبْلَ كَمَالِهَا إلَى أَكْلِ مَالِ الْمُشْتَرِي بِالْبَاطِلِ , كَمَا عَلَّلَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ , وَمِنْ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ لَا تَرْفَعُ الْمَفْسَدَةَ , وَلَا تُزِيلُ بَعْضَهَا , وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَالنَّاسَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى الثِّمَارَ وَهِيَ شِيصٌ لَمْ يُمَكِّنْ أَحَدًا أَنْ يَاكُلَ مِنْهَا , فَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِيهَا لِلْقَطْعِ , وَلَوْ اشْتَرَاهَا لِهَذَا الْغَرَضِ لَكَانَ سَفَهًا وَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ , وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَالْخَوْخُ وَالْإِجَّاصُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الثِّمَارِ الَّتِي لَا يَنْتَفِعُ بِهَا قَبْلَ إدْرَاكِهَا , لَا يَشْتَرِيهَا أَحَدٌ إلَّا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ , وَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الشَّرْطِ بِلِسَانِهِ فَهُوَ قَائِمٌ بِقَلْبِهِ وَقَلْبِ الْبَائِعِ , وَفِي هَذَا تَعْطِيلٌ لِلنَّصِّ وَلِلْحِكْمَةِ الَّتِي نَهَى الشَّارِعُ لِأَجْلِهَا ; أَمَّا تَعْطِيلُ الْحِكْمَةِ فَظَاهِرٌ , وَأَمَّا تَعْطِيلُ النَّصِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى مَا إذَا بَاعَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لَفْظًا , فَلَوْ سَكَتَ عَنْ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ وَهُوَ مُرَادُهُ وَمُرَادُ الْبَائِعِ جَازَ , وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَإِسْقَاطٌ لِحِكْمَتِهِ.

فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِتَجْوِيزِ بَيْعِ شَيْءٍ حَلَفَ أَلَّا يَبِيعَهُ] وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ , ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ فَلْيَبِعْهُ مِنْهَا تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ سَهْمًا , ثُمَّ يَهَبْهُ السَّهْمَ الْبَاقِيَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْحِيلَةِ الْبَاطِلَةِ , وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُهُ وَلَا يَهَبُهُ إيَّاهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْحِيلَةُ فِي جَارِيَةٍ قَدْ وَطِئَهَا الْحَالِفُ الْيَوْمَ فَأَرَادَ الْمَالِكُ أَنْ يَطَأَهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ فَلَهُ حِيلَتَانِ عَلَى إسْقَاطِ الِاسْتِبْرَاءِ ; إحْدَاهُمَا: أَنْ يَعْتِقَهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا , وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُمَلِّكَهَا لِرَجُلٍ ثُمَّ يُزَوِّجَهُ إيَّاهَا , فَإِذَا قَضَى وَطَرَهُ مِنْهَا ثُمَّ أَرَادَ بَيْعَهَا أَوْ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلْيَشْتَرِهَا مِنْ الْمُمَلَّكِ فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ , فَإِنْ شَاءَ بَاعَهَا وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ عَلَى وَطْئِهَا. , وَتَقَدَّمَ أَنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الْحِيلَةِ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ فَلْيُنْسِلْ مِنْهُ خَيْطًا ثُمَّ يَلْبَسْهُ , أَوْ لَا يَاكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ فَلِيُخْرِجْ مِنْهُ لُبَابَةً ثُمَّ يَاكُلْهُ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: لَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ لَكَانَ أَخَفَّ وَأَسْهَلَ مِنْ هَذَا الْخِدَاعِ , وَلَوْ قَابَلَ الْعَبْدُ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ بِهَذِهِ الْمُقَابَلَةِ لَعُدَّ عَاصِيًا مُخَادِعًا , بَلْ لَوْ قَابَلَ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ أَمْرَ الْمَلِكِ وَنَهْيَهُ أَوْ الْعَبْدُ أَمْرَ سَيِّدِهِ وَنَهْيَهُ أَوْ الْمَرِيضُ أَمْرَ الطَّبِيبِ وَنَهْيَهُ بِهَذِهِ الْمُقَابَلَةِ لَمَا عَذَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ , وَلَعَدَّهُ كُلُّ أَحَدٍ عَاصِيًا , وَإِذَا تَدَبَّرَ الْعَالِمُ فِي الشَّرِيعَةِ أَمْرَ هَذِهِ الْحِيَلِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ نِسْبَتُهَا إلَيْهَا وَمَحَلُّهَا مِنْهَا , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ فِي الْأَيْمَانِ] : وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ: لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ زَادَ عَلَيْهَا ; فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِذَلِكَ فَلْيَبِعْهَا بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دِينَارًا , أَوْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ دِينَارٍ , أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ , أَوْ يَبِعْهَا بِدَرَاهِمَ تُسَاوِي ذَلِكَ , أَوْ يَبِعْهَا بِتِسْعِينَ دِينَارًا وَمِنْدِيلًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَكُلُّ هَذِهِ حِيَلٌ بَاطِلَةٌ , فَإِنَّهَا تَتَضَمَّنُ نَفْسَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا نَوَاهُ وَقَصَدَهُ وَعَقَدَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ , وَإِذَا كَانَتْ يَمِينُ الْحَالِفِ عَلَى مَا يُصَدِّقُهُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ , - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم - فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ كَائِنًا مَا. كَانَ ; فَلْيَقُلْ مَا شَاءَ , وَلْيَتَحَيَّلْ مَا شَاءَ , فَلَيْسَتْ يَمِينُهُ إلَّا عَلَى مَا عَلِمَهُ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ قَصْدُ الْقَلْبِ وَكَسْبُهُ , لَا مُجَرَّدُ اللَّفْظِ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَاهُ ; عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ فِي اللَّغْوِ , فَكَيْفَ إذَا كَانَ قَاصِدًا لِصَدِّ مَا يَتَحَيَّلُ عَلَيْهِ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت