الصفحة 195 من 429

بَانَتْ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ ; فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا إلَّا بِإِذْنِهَا وَرِضَاهَا , وَهِيَ لَمْ تَاذَنْ فِي هَذَا النِّكَاحِ الثَّانِي , وَلَا رَضِيَتْ بِهِ , وَلَوْ عَلِمَتْ أَنَّهَا قَدْ مَلَّكَتْ نَفْسَهَا وَبَانَتْ مِنْهُ فَلَعَلَّهَا لَا تَرْغَبُ فِي نِكَاحِهِ , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْدَعَهَا عَلَى نَفْسِهَا وَيَجْعَلَهَا لَهُ زَوْجَةً بِغَيْرِ رِضَاهَا. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ جَعَلَ جِدَّ النِّكَاحِ كَهَزْلِهِ , وَغَايَةُ هَذَا أَنَّهُ هَازِلٌ. قِيلَ: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ , وَلَيْسَ هَذَا كَالْهَازِلِ ; فَإِنَّ الْهَازِلَ لَمْ يُظْهِرْ أَمْرًا يُرِيدُ خِلَافَهُ , بَلْ تَكَلَّمَ بِاللَّفْظِ قَاصِدًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مُوجَبُهُ , وَذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِ , بَلْ إلَى الشَّارِعِ , وَأَمَّا هَذَا فَمَاكِرٌ مُخَادِعٌ لِلْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا , مُظْهِرٌ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ بَيْنَهُمَا بَاقِيَةٌ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ مَحْضَةٌ ; فَهُوَ يَمْكُرُ بِهَا وَيُخَادِعُهَا بِإِظْهَارِ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ أَجْنَبِيَّةٌ ; فَهُوَ كَمَنْ يَمْكُرُ بِرَجُلٍ يُخَادِعُهُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ بِإِظْهَارِ أَنَّهُ يَحْفَظُهُ لَهُ وَيَصُونُهُ مِمَّنْ يُذْهَبُ بِهِ , بَلْ هَذَا أَفْحَشُ ; لِأَنَّ حُرْمَةَ الْبُضْعِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَالِ , وَالْمُخَادَعَةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ الْمُخَادَعَةِ عَلَى الْمَالِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ: [إبْطَالُ حِيلَةٍ لِوَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ] وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْحِيلَةُ عَلَى وَطْءِ مُكَاتَبَتِهِ بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ , قَالَ أَرْبَابُ الْحِيَلِ: الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَهَبَهَا لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ , ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ عَلَى مِلْكِ ابْنِهِ ثُمَّ يُكَاتِبَهَا لِابْنِهِ , ثُمَّ يَطَأَهَا بِحُكْمِ النِّكَاحِ , فَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ كَانُوا أَحْرَارًا ; إذْ وَلَدُهُ قَدْ مَلَكَهُمْ , فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ الْكِتَابَةِ عَادَتْ قِنًّا لِوَلَدِهِ وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ بَاطِلَةٌ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ , وَهِيَ بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهَا لِوَلَدِهِ تَمْلِيكًا حَقِيقِيًّا , وَلَا كَاتَبَهَا لَهُ حَقِيقَةً , بَلْ خِدَاعًا وَمَكْرًا , وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَمَتُهُ وَمُكَاتَبَتُهُ فِي الْبَاطِنِ , وَحَقِيقَةِ الْأَمْرِ , وَإِنَّمَا أَظْهَرَ خِلَافَ ذَلِكَ تَوَصُّلًا إلَى وَطْءِ الْفَرْجِ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ. فَأَظْهَرَ تَمْلِيكًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ , وَكِتَابَةً عَنْ غَيْرِهِ , وَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هِيَ عَنْ نَفْسِهِ , وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

فَصْلٌ: [بَيَانُ حِيلَةِ الْعَقَارِبِ وَإِبْطَالِهَا] وَمِنْ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ الْبَاطِلَةِ الْحِيَلُ الَّتِي تُسَمَّى حِيلَةَ الْعَقَارِبِ , وَلَهَا صُوَرٌ ; مِنْهَا: أَنْ يُوقِفَ دَارِهِ أَوْ أَرْضَهُ وَيَشْهَدَ عَلَى وَقْفِهَا وَيَكْتُمَهُ ثُمَّ يَبِيعَهَا , فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ سَكَنَهَا أَوْ اسْتَغَلَّهَا بِمِقْدَارِ ثَمَنِهَا أَظْهَرَ كِتَابَ الْوَقْفِ وَادَّعَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِأُجْرَةِ الْمَنْفَعَةِ , فَإِذَا قَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: أَنَا وَزَنْت الثَّمَنَ , قَالَ: وَانْتَفَعْتُ بِالدَّارِ وَالْأَرْضِ فَلَا تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ مَجَّانًا , وَمِنْهَا: أَنْ يُمَلِّكَهَا لِوَلَدِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ , وَيَكْتُمَ ذَلِكَ , ثُمَّ يَبِيعَهَا , ثُمَّ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ مَلَّكَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي , وَيُعَامِلُهُ تِلْكَ الْمُعَامَلَةَ وَضَمَّنَهُ الْمَنَافِعَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ. وَمِنْهَا: أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِوَلَدِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ , وَيَكْتُمَ ذَلِكَ , ثُمَّ يُؤَجِّرَهَا مِنْ شَخْصٍ آخَرَ , فَإِنْ ارْتَفَعَ الْكَرْيُ أَخْرَجَ الْإِجَارَةَ الْأُولَى , وَفَسَخَ إجَارَةَ الثَّانِي , وَإِنْ نَقَصَ الْكَرْيُ أَوْ اسْتَمَرَّ أَبْقَاهَا ; وَمِنْهَا: أَنْ يَرْهَنَ دَارِهِ أَوْ أَرْضَهُ , ثُمَّ يَبِيعَهَا وَيَاخُذَ الثَّمَنَ فَيَنْتَفِعَ بِهِ مُدَّةً , فَمَتَى أَرَادَ فَسْخَ الْبَيْعِ وَاسْتِرْجَاعَ الْمَبِيعِ أَظْهَرَ كِتَابَ الرَّهْنِ. وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْعَقَارِبِ الَّتِي يَاكُلُ بِهَا أَشْبَاهُ الْعَقَارِبِ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ , وَيُمْشِيهَا لَهُمْ مَنْ رَقَّ عِلْمُهُ وَدِينُهُ وَلَمْ يُرَاقِبْ اللَّهَ وَلَمْ يَخَفْ مَقَامَهُ تَقْلِيدًا لِمَنْ قَلَّدَ قَوْلَهُ فِي تَضْمِينِ الْمَقْبُوضِ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ ; فَيَجْعَلُ قَوْلَهُ إعَانَةً لِهَذَا الظَّالِمِ الْمُعْتَدِي عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ , وَلَا يَجْعَلُ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُ إعَانَةً لِلْمَظْلُومِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى , وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِشِقِّ الْحَدِيثِ وَهُوَ: {اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا} . وَاكْتَفَى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ دُونَ مَا بَعْدَهَا , وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ مِنْ تَجْوِيزِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ , وَنَصْرِ الظَّالِمِ , وَإِضَاعَةِ حَقِّ الْمَظْلُومِ جِهَارًا. وَذَلِكَ الْإِمَامُ وَإِنْ قَالَ:"إنَّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت