الصفحة 203 من 429

وَالتَّغْيِيرِ وَإِمْسَاكِ الْحَيَّاتِ وَدُخُولِ النَّارِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ , وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ حِيَلِ أَشْبَاهِ النَّصَارَى الَّتِي تَرُوجُ عَلَى أَشْبَاهِ الْأَنْعَامِ , وَكَحِيَلِ أَرْبَابِ الدَّكِّ وَخِفَّةِ الْيَدِ الَّتِي تَخْفَى عَلَى النَّاظِرِينَ أَسْبَابُهَا وَلَا يَتَفَطَّنُونَ لَهَا , وَكَحِيَلِ السَّحَرَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ السِّحْرِ ; فَإِنَّ سِحْرَ الْبَيَانِ هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّحَيُّلِ: إمَّا لِكَوْنِهِ بَلَغَ مِنْ اللُّطْفِ وَالْحُسْنِ إلَى حَدِّ اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ فَأَشْبَهَ السِّحْرَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ , وَإِمَّا لِكَوْنِ الْقَادِرِ عَلَى الْبَيَانِ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى تَحْسِينِ الْقَبِيحِ وَتَقْبِيحِ الْحَسَنِ فَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ السِّحْرَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ سِحْرُ الْوَهْمِ أَيْضًا هُوَ حِيلَةٌ وَهْمِيَّةٌ , وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِتَاثِيرِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ , أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَشَبَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الْإِنْسَانُ مِنْ الْمَشْيِ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ الْأَرْضِ لَا يُمْكِنُ الْمَشْيُ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ عَلَى مَهْوَاةٍ بَعِيدَةِ الْقَعْرِ؟ وَالْأَطِبَّاءُ تَنْهَى صَاحِبَ الرُّعَافِ عَنْ النَّظَرِ إلَى الشَّيْءِ الْأَحْمَرِ , وَتَنْهَى الْمَصْرُوعَ عَنْ النَّظَرِ إلَى الْأَشْيَاءِ الْقَوِيَّةِ اللَّمَعَانِ أَوْ الدَّوْرَانِ , فَإِنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مَطِيَّةَ الْأَوْهَامِ , وَالطَّبِيعَةُ فَعَّالَةٌ , وَالْأَحْوَالُ الْجُسْمَانِيَّةُ تَابِعَةٌ لِلْأَحْوَالِ النَّفْسَانِيَّةِ. وَكَذَلِكَ السِّحْرُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ إنَّمَا هُوَ بِالتَّحَيُّلِ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا بِالْإِشْرَاكِ بِهَا وَالِاتِّصَافِ بِهَيْئَاتِهَا الْخَبِيثَةِ ; وَلِهَذَا لَا يَعْمَلُ السِّحْرُ إلَّا مَعَ الْأَنْفُسِ الْخَبِيثَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِتِلْكَ الْأَرْوَاحِ , وَكُلَّمَا كَانَتْ النَّفْسُ أَخْبَثَ كَانَ سِحْرُهَا أَقْوَى , وَكَذَلِكَ سِحْرُ التَّمْزِيجَاتِ - وَهُوَ أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنْ السِّحْرِ - أَنْ يُمْزَجَ بَيْنَ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ الْخَبِيثَةِ الْفَعَّالَةِ وَالْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ الْمُنْفَعِلَةِ , وَالْمَقْصُودُ أَنَّ السِّحْرَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْحِيَلِ الَّتِي يَنَالُ بِهَا السَّاحِرُ غَرَضَهُ , وَحِيَلُ السَّاحِرِ مِنْ أَضْعَفِ الْحِيَلِ وَأَقْوَاهَا , وَلَكِنْ لَا تُؤَثِّرُ تَاثِيرًا مُسْتَقِرًّا إلَّا فِي الْأَنْفُسِ الْبَاطِلَةِ الْمُنْفَعِلَةِ لِلشَّهَوَاتِ الضَّعِيفَةِ تَعَلُّقِهَا بِفَاطِرِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ الْمُنْقَطِعَةِ عَنْ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ ; فَهَذِهِ النُّفُوسُ مَحَلُّ تَاثِيرِ السِّحْرِ , وَكَحِيَلِ أَرْبَابِ الْمَلَاهِي وَالطَّرِبِ عَلَى اسْتِمَالَةِ النُّفُوسِ إلَى مَحَبَّةِ الصُّوَرِ وَالْوُصُولِ إلَى الِالْتِذَاذِ بِهَا ; فَحِيلَةُ السَّمَاعِ الشَّيْطَانِيِّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَدْنَى الْحِيَلِ عَلَيْهِ , حَتَّى قِيلَ: أَوَّلُ مَا وَقَعَ الزِّنَا فِي الْعَالَمِ فَإِنَّمَا كَانَ بِحِيلَةِ الْيَرَاعِ وَالْغِنَاءِ , لَمَّا أَرَادَ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ حِيلَةً أَدْنَى مِنْ الْمَلَاهِي. وَكَحِيَلِ اللُّصُوصِ وَالسُّرَّاقِ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ , وَهُمْ أَنْوَاعٌ لَا تُحْصَى ; فَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِأَيْدِيهِمْ , وَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِأَقْلَامِهِمْ , وَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِأَمَانَتِهِمْ , وَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ الدِّينِ وَالْفَقْرِ وَالصَّلَاحِ وَالزُّهْدِ وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ , وَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِمَكْرِهِمْ وَخِدَاعِهِمْ وَغِشِّهِمْ , وَبِالْجُمْلَةِ فَحِيَلُ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ النَّاسِ مِنْ أَكْثَرِ الْحِيَلِ , وَتَلِيهَا حِيَلُ عُشَّاقِ الصُّوَرِ عَلَى الْوُصُولِ إلَى أَغْرَاضِهِمْ فَإِنَّهَا تَقَعُ فِي الْغَالِبِ خَفِيَّةً , وَإِنَّمَا تَتِمُّ غَالِبًا عَلَى النُّفُوسِ الْقَابِلَةِ الْمُنْفَعِلَةِ الشَّهْوَانِيَّةِ , وَكَحِيَلِ التَّتَارِ الَّتِي مَلَكُوا بِهَا الْبِلَادَ وَقَهَرُوا بِهَا الْعِبَادَ وَسَفَكُوا بِهَا الدِّمَاءَ وَاسْتَبَاحُوا بِهَا الْأَمْوَالَ , وَكَحِيَلِ الْيَهُودِ وَإِخْوَانِهِمْ مِنْ الرَّافِضَةِ فَإِنَّهُمْ بَيْتُ الْمَكْرِ وَالِاحْتِيَالِ , وَلِهَذَا ضُرِبَتْ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ الذِّلَّةُ , وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي كُلِّ مُخَادِعٍ مُحْتَالٍ بِالْبَاطِلِ.

[أَرْبَابُ الْحِيَلِ نَوْعَانِ] ثُمَّ أَرْبَابُ هَذِهِ الْحِيَلِ نَوْعَانِ: نَوْعُ يُقْصَدُ بِهِ حُصُولُ مَقْصُودِهِ , وَلَا يَظْهَرُ أَنَّهُ حَلَالٌ , كَحِيَلِ اللُّصُوصِ وَعُشَّاقِ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ وَنَحْوِهِمَا , وَنَوْعٌ يُظْهِرُ صَاحِبُهُ أَنَّ مَقْصُودَهُ خَيْرٌ وَصَلَاحٌ وَيُبْطِنُ خِلَافَهُ. وَأَرْبَابُ النَّوْعِ الْأَوَّلِ أَسْلَمُ عَاقِبَةً مِنْ هَؤُلَاءِ ; فَإِنَّهُمْ أَتَوْا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَالْأَمْرَ مِنْ طَرِيقِهِ وَوَجْهِهِ , وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَلَبُوا مَوْضُوعَ الشَّرْعِ وَالدِّينِ , وَلَمَّا كَانَ أَرْبَابُ هَذَا النَّوْعِ إنَّمَا يُبَاشِرُونَ الْأَسْبَابَ الْجَائِزَةَ وَلَا يُظْهِرُونَ مَقَاصِدَهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت