الصفحة 37 من 429

يُغْلَبُ فَيُظْلَمُ , فَقَدْ يَكُونُ الْمَظْلُومُ هُوَ الْغَنِيُّ وَقَدْ يَكُونُ هُوَ الْفَقِيرُ , وَظُلْمُ الْفَقِيرِ الْمُحْتَاجِ أَشَدُّ مِنْ ظُلْمِ الْغَنِيِّ , وَظُلْمٌ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الظَّالِمُ الْقَادِرُ أَعْظَمُ مِنْ ظُلْمٍ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الظَّالِمُ , فَإِنَّ ظُلْمَ الْقَادِرِ الْغَنِيِّ لِلْعَاجِزِ الضَّعِيفِ أَقْبَحُ مِنْ تَظَالُمِ قَادِرَيْنِ غَنِيَّيْنِ لَا يُدْرَى أَيُّهُمَا هُوَ الَّذِي يَظْلِمُ , فَالرِّبَا فِي ظُلْمِ الْأَمْوَالِ أَعْظَمُ مِنْ الْقِمَارِ , وَمَعَ هَذَا فَتَأَخَّرَ تَحْرِيمُهُ وَكَانَ آخِرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ , فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَيْسِرِ إلَّا مُجَرَّدُ الْقِمَارِ لَكَانَ أَخَفَّ مِنْ الرِّبَا لِتَأَخُّرِ تَحْرِيمِهِ , وَقَدْ أَبَاحَ الشَّارِعُ أَنْوَاعًا مِنْ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ , كَمَا أَبَاحَ اشْتِرَاطَ ثَمَرِ النَّخْلِ بَعْدَ التَّابِيرِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ , وَجَوَّزَ بَيْعَ الْمُجَازَفَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ , وَأَمَّا الرِّبَا فَلَمْ يُبِحْ مِنْهُ شَيْئًا , وَلَكِنْ أَبَاحَ الْعُدُولَ عَنْ التَّقْدِيرِ بِالْكَيْلِ إلَى التَّقْدِيرِ بِالْخَرْصِ عِنْدَ الْحَاجَةِ , كَمَا أَبَاحَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ لِلْحَاجَةِ إذْ الْخَرْصُ تَقْدِيرٌ بِظَنٍّ , وَالْكَيْلُ تَقْدِيرٌ بِعِلْمٍ , وَالْعُدُولُ عَنْ الْعِلْمِ إلَى الظَّنِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ جَائِزٌ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الرِّبَا أَعْظَمُ مِنْ الْقِمَارِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ , لَكِنَّ الْمَيْسِرَ تُطْلَبُ بِهِ الْمُلَاعَبَةُ وَالْمُغَالَبَةُ نُهِيَ عَنْهُ فِي الْإِنْسَانِ مَعَ فَسَادِ مَالِهِ لَا لِفَسَادِ مَالِهِ , مِثْلَ مَا فِيهِ مِنْ الصُّدُودِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ , وَكُلٌّ مِنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فِيهِ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ , وَفِيهِ الصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ أَعْظَمُ مِنْ الرَّبَّا وَغَيْره مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ. تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَيْسِرَ اشْتَمَلَ عَلَى مَفْسَدَتَيْنِ: مَفْسَدَةٌ فِي الْمَالِ , وَهِيَ أَكْلُهُ بِالْبَاطِلِ. وَمَفْسَدَةٌ فِي الْعَمَلِ ; وَهِيَ مَا فِيهِ مِنْ مَفْسَدَةِ الْمَالِ وَفَسَادِ الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ , وَفَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ. وَكُلٌّ مِنْ الْمَفْسَدَتَيْنِ مُسْتَقِلَّةٌ بِالنَّهْيِ , فَيُنْهَى عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ مُطْلَقًا , وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ مَيْسِرٍ كَالرِّبَا , وَيُنْهَى عَمَّا يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ , وَيُوقِعُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ. وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ أَكْلِ مَالٍ , فَإِذَا اجْتَمَعَا عَظُمَ التَّحْرِيمُ , فَيَكُونُ الْمَيْسِرُ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهِمَا أَعْظَمَ مِنْ الرِّبَا , وَلِهَذَا حَرُمَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ حَرَّمَهَا وَلَوْ كَانَ الشَّارِبُ يَتَدَاوَى بِهَا , كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ , وَحَرَّمَ بَيْعَهَا لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ , وَإِنْ كَانَ أَكْلُ ثَمَنِهَا لَا يَسُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ , وَلَا يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ , كُلُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي الِاجْتِنَابِ , فَهَكَذَا الْمَيْسِرُ مَنْهِيٌّ عَنْ هَذَا وَعَنْ هَذَا , وَالْمُعِينُ عَلَى الْمَيْسِرِ كَالْمُعِينِ عَلَى الْخَمْرِ , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. وَكَمَا أَنَّ الْخَمْرَ تَحْرُمُ الْإِعَانَةُ عَلَيْهَا بِبَيْعٍ , أَوْ عَصْرٍ , أَوْ سَقْيٍ , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ , فَكَذَلِكَ الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَيْسِرِ , كَبَائِعِ آلَاتِهِ , وَالْمُؤَجِّرِ لَهَا , وَالْمُذَبْذَبِ الَّذِي يُعِينُ أَحَدَهُمَا , بَلْ مُجَرَّدُ الْحُضُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيْسِرِ كَالْحُضُورِ عِنْدَ أَهْلِ شُرْبِ الْخَمْرِ , وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ} . وَقَدْ رُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه قَوْمٌ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ , فَأَمَرَ بِضَرْبِهِمْ , فَقِيلَ لَهُ: إنَّ فِيهِمْ صَائِمًا , فَقَالَ: ابْدَءُوا بِهِ , ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِثْلُهُمْ} . فَاسْتَدَلَّ عُمَرُ بِالْآيَةِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ حَاضِرَ الْمُنْكَرِ مِثْلَ فَاعِلِهِ , بَلْ إذَا كَانَ مَنْ دَعَا إلَى دَعْوَةٍ مُبَاحَةٍ كَدَعْوَةِ الْعُرْسِ لَا تُجَابُ دَعْوَتُهُ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مُنْكَرٍ حَتَّى يَدَعَهُ , مَعَ أَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ حَقٌّ , فَكَيْفَ بِشُهُودِ الْمُنْكَرِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ يَقْتَضِي ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ هَذَا مِنْ الْمَيْسِرِ , فَكَيْفَ اسْتَجَازَهُ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ. قِيلَ لَهُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت