فهرس الكتاب
كَانَتْ الْحِيلَةُ فِعْلًا يُفْضِي إلَى غَرَضٍ لَهُ مِثْلُ أَنْ يُسَافِرَ فِي الصَّيْفِ لِيَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِلصَّوْمِ إلَى الشِّتَاءِ لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهُ. بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي هَذَا السَّفَرِ , فَإِنْ كَانَ يُفْضِي إلَى سُقُوطِ حَقِّ غَيْرِهِ مِثْلُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ لِيَنْفَسِخَ نِكَاحُهُ , أَوْ مِثْلُ أَنْ يُبَاشِرَ الْمَرْأَةَ ابْنُ زَوْجِهَا أَوْ أَبُوهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا فَهَذِهِ الْحِيلَةُ بِمَنْزِلَةِ الْإِتْلَافِ لِلْمِلْكِ بِقَتْلٍ أَوْ غَصْبٍ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهَا ; لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَرْأَةِ بِهَذَا السَّبَبِ حَقٌّ لِلَّهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فَسْخُ النِّكَاحِ ضِمْنًا. وَالْأَفْعَالُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّحْرِيمِ لَا يُعْتَبَرُ لَهَا الْعَقْلُ فَضْلًا عَنْ الْقَصْدِ , وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَحْتَالَ عَلَى نَجَاسَةِ دُهْنِهِ أَوْ خَلِّهِ أَوْ دِبْسِهِ بِأَنْ يُلْقِيَ فِيهِ نَجَاسَةً , فَإِنَّ نَجَاسَةَ الْمَائِعَاتِ بِالْمُخَالَطَةِ وَتَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ أَحْكَامٌ تَنْبُتُ بِأُمُورٍ حِسِّيَّةٍ لَا تَرْفَعُ الْأَحْكَامَ مَعَ وُجُوبِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْحِيلَةُ فِعْلًا يُفْضِي إلَى التَّحْلِيلِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ , مِثْلُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ أَوْ لِيُزَوِّجَهَا صِدِّيقًا لَهُ فَهُنَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ مَنْ قَصَدَ تَزَوُّجَهَا بِهِ , فَإِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ الزَّوْجَ لِمَعْنًى فِيهِ , وَأَمَّا الَّذِي قَصَدَ بِالْقَتْلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ إمَّا بِمُوَاطَأَتِهَا أَوْ غَيْرِ مُوَاطَأَتِهَا فَهَذَا يُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ مَا لَوْ خَلَّلَ الْخَمْرَ بِنَقْلِهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْقِيَ فِيهَا شَيْئًا فَإِنَّ التَّخْلِيلَ لَمَّا حَصَلَ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ , وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ , وَإِنْ كَانَتْ لَوْ تَخَلَّلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ حَلَّتْ , وَكَذَلِكَ هَذَا الرَّجُلُ لَوْ مَاتَ بِدُونِ هَذَا الْقَصْدِ حَلَّتْ , فَإِذَا قَتَلَهُ لِهَذَا الْقَصْدِ أَمْكَنَ أَنْ تُحَرَّمَ عَلَيْهِ مَعَ حِلِّهَا لِغَيْرِهِ , وَيُشْبِهُ هَذَا الْحَلَالَ إذَا صَادَ الصَّيْدَ وَذَبَحَهُ لِحَرَامٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى ذَلِكَ الْمُحْرِمِ وَيُحَلَّلُ لِلْحَلَالِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا: أَنَّ الْقَاتِلَ يَمْنَعُهُ الْإِرْثَ وَلَمْ يَمْنَعْ غَيْرَهُ مِنْ الْوَرَثَةِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَالُ الرَّجُلِ تَتَطَلَّعُ عَلَيْهِ نُفُوسُ الْوَرَثَةِ كَانَ الْقَتْلُ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ , بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكَادُ يُقْصَدُ. إذْ الْتِفَاتُ الرَّجُلِ إلَى امْرَأَةِ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْتِفَاتِ الْوَارِثِ إلَى مَالِ الْمَوْرُوثِ قَلِيلٌ فَكَوْنُهُ يَقْتُلُهُ لِيَتَزَوَّجَهَا أَقَلَّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ كَمَا يُمْنَعُ مِيرَاثُهُ , فَإِذَا قَصَدَ التَّزَوُّجَ فَقَدْ وُجِدَتْ حَقِيقَةٌ لِحِكْمَةٍ فِيهِ فَيُعَاقَبُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ. فَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي رَدِّ هَذَا أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُحَرَّمَةَ لِحَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا تُفِيدُ الْحِلَّ كَذَبْحِ الصَّيْدِ وَتَحْلِيلِ الْخَمْرِ وَالتَّذْكِيَةِ فِي غَيْرِ الْمُحَلَّلِ , أَمَّا الْمُحَرَّمُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ كَذَبْحِ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْحِلَّ , أَوْ يُقَالُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَشْرُوعَ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ يُشْتَرَطُ فِيهِ وُقُوعُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ كَالذَّكَاةِ وَالْقَتْلِ لَمْ يَشْرَعْ لِحِلِّ الْمَرْأَةِ , وَإِنَّمَا انْقِضَاءُ النِّكَاحِ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَحَصَلَ الْحِلُّ ضِمْنًا وَتَبَعًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِ هَذَا أَنَّ قَتْلَ الْآدَمِيِّ حَرَامٌ لِحَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَحَقِّ الْآدَمِيِّ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ , بِخِلَافِ ذَبْحِ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ لِمَحْضِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ لَوْ أَبَاحَهُ حَلَّ , وَفِي الْحَقِيقَةِ فَالْمُحَرَّمُ هُنَاكَ إنَّمَا هُوَ تَفْوِيتُ الْمَالِيَّةِ عَلَى الْمَالِكِ لَا إزْهَاقُ الرُّوحِ. ثُمَّ يُقَالُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الذَّبْحِ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ , وَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ , وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَبْحِ الْمَغْصُوبِ , وَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا أَنَّهُ ذَكِيٌّ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَفِيهِ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الْمَشْهُورُ فِي ذَبْحِ الْغَنَمِ الْمَنْهُوبَةِ. وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَضَافَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا ذَبَحَتْ لَهُ الشَّاةَ الَّتِي أَخَذَتْهَا بِدُونِ إذْنِ أَهْلِهَا فَقَصَّتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ أَطْعِمُوهَا لِلْأُسَارَى وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْبُوحَ بِدُونِ إذْنِ أَهْلِهِ يُمْنَعُ مِنْهُ الْمَذْبُوحُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا أَنَّ الصَّيْدَ إذَا ذَبَحَهُ الْحَلَالُ لِحَرَامٍ حَرُمَ عَلَى الْحَرَامِ دُونَ الْحَلَالِ , وَقَدْ نَقَلَ صَالِحٌ