الصفحة 64 من 429

بِالْمَصْلَحَةِ وَالْغِبْطَةِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ عَلَى ثِقَةِ مَلِيءٍ أَمِينٍ. ا هـ وَبِذَلِكَ كُلِّهِ عُلِمَ أَنَّ زَعْمَ الِاكْتِفَاءِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَحْدَهَا بَاطِلٌ صَرِيحٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ , وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَصْلَحَةٍ غَيْرِ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ ظَهَرَ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجَارَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا ; لِأَنَّ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْحَاكِمُ إلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فِيهِ هُوَ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ بِالْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ زِيَادَةُ الْأُجْرَةِ , وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ لَا تُفِيدُ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ فَإِذَا اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى مَا لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ وَلَا الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَحْدَهُ , فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُصَادِفٍ لِمَا يُصَحِّحُهُ فَكَانَ لَغْوًا مِنْ أَصْلِهِ , وَسَيَاتِي بَيَانُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ. وَأَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ فَالْمُرَادُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُجَوِّزَةِ لِإِجَارَةِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هِيَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ , وَقَدْ انْحَصَرَتْ فِي إيجَارِهِ تِلْكَ الْمُدَّةَ لَا إلَى مُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ الْمُسْتَحِقِّ , أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا يَاتِي عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَغَيْرِهِ , وَأَمَّا الثَّانِي فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا قَرَّرْته مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ زِيَادَةِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا تُجَوِّزُ إجَارَةَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيّ حَيْثُ قَالَ: لِعِمَارَةٍ وَنَحْوِهَا كَمَا يَاتِي عَنْهُ فَخَصَّ الْجَوَازَ بِالْعِمَارَةِ وَنَحْوِهَا وَعَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ الْإِجَارَةَ لِمُجَرَّدِ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ لَا تَجُوزُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ إطْلَاقُ الْأَذْرَعِيِّ امْتِنَاعَ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ ; لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إلَى تَمَلُّكِ الْوَقْفِ وَمَفَاسِدَ أُخْرَى تُعْلَمُ مِمَّا سَأَذْكُرُهُ فَمَحَلُّ امْتِنَاعِهَا إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ عَائِدَةً لِلْمُسْتَحِقِّينَ فَقَطْ , وَأَمَّا إطْلَاقُهُ امْتِنَاعَهَا وَإِنْ عَادَتْ إلَى عَيْنِ الْوَقْفِ فَلَا يُتَّجَهُ كَمَا بَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ وَسَيَاتِي فَتَعَيَّنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ , وَكَذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ تِلْمِيذِهِ الزَّرْكَشِيّ: جَوَازُ إجَارَةِ الْوَقْفِ مِائَةَ سَنَةٍ وَنَحْوِهَا بَعِيدٌ , فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِهْلَاكِهِ وَيَدُلُّ عَلَى حَمْلِ كَلَامِهِ أَعَنَى الزَّرْكَشِيّ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُهُ أَيْضًا. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سُرَاقَةَ وَأَبِي الْفَرَجِ الْجَزْمُ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا فِي الْخَرَابِ , وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ لِيُحْتَكَرَ ا هـ. فَافْهَمْ أَنَّ اسْتِبْعَادَهُ الْأَوَّلَ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْخَرَابِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي غَيْرِ الْخَرَابِ إنَّمَا تَعُودُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ , فَلَمْ تَكُنْ مُسَوِّغَةً لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَفَاسِدَ فَلَا تُفْعَلُ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ تَرْجِعُ إلَى عَيْنِ الْوَقْفِ ; لِأَنَّ رِعَايَةَ حِفْظِهِ بِالْعِمَارَةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ تَوَهُّمِ تَمَلُّكِهِ , وَمِمَّا يُؤَيِّدُ اشْتِمَالَهَا عَلَى مَفَاسِدَ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: إنَّ الْحُكَّامَ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُؤَجَّرُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ لِئَلَّا يَنْدَرِسَ مَالُوا إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله تعالى عنه ; لِأَنَّهُ أَحْوَطُ , وَقَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ وَصَاحِبِ الْأَنْوَارِ: مَا فَعَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ هُوَ الِاحْتِيَاطُ. وَقَوْلُ السُّبْكِيّ مُنْتَصِرًا لِهَذَا الِاصْطِلَاحِ لَعَلَّ سَبَبَهُ أَنَّ إجَارَةَ الْوَقْفِ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ بِالْقِيمَةِ , وَتَقْوِيمُ الْمُدَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ الْبَعِيدَةِ صَعْبٌ قَالَ: وَفِيهِ أَيْضًا تَوَقُّعُ الِانْتِقَالِ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي , وَقَدْ تَتْلَفُ الْأُجْرَةُ فَتَضِيعُ عَلَيْهِمْ , وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لِعِمَارَةٍ وَنَحْوِهَا , فَالْحَاكِمُ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ وَيَقْصِدُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ا هـ. قَالَ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ شَارِحُ الْإِرْشَادِ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ , وَقَدْ شَاهَدْنَا كَثِيرًا إجَارَةَ بَعْضِ الْحُكَّامِ الْوَقْفَ مُدَّةً طَوِيلَةً أَدَّتْ إلَى تَمَلُّكِهِ وَإِبْطَالِ وَقْفِيَّتِهِ وَانْدِرَاسِهِ , وَالِاحْتِيَاطُ مُتَعَيِّنٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِلَا شَكٍّ. ا هـ. وَقَالَ أَيْضًا فِي امْرَأَةٍ أَرَادَتْ أَنْ تُؤَجِّرَ وَقْفًا خَمْسِينَ سَنَةً بِإِذْنِ الْحَاكِمِ فِرَارًا مِنْ الْبَطْنِ الَّذِي بَعْدَهَا لَا يَجُوز لَهَا ذَلِكَ , وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْإِذْنُ لَهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّ التَّقْوِيمَ لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ الْمُدَّةَ الْبَعِيدَةَ صَعْبٌ ; وَلِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَى الْوَقْفِ إذَا أُجِّرَ الْمُدَّةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت