الصفحة 68 من 429

وَمَا نَحْنُ فِيهِ تَقَابَلَ غَرَضَاهُمَا , فَلْيُقَدَّمْ غَرَضُ الْوَاقِفِ مِنْ عَدَمِ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ عَلَى غَرَضِ الْمُسْتَحِقِّ , وَقَوْلُهُمْ يُرَاعَى غَرَضُ الْوَاقِفِ مَا أَمْكَنَ فَانْظُرْ قَوْلَهُمْ مَا أَمْكَنَ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا قُلْنَاهُ , وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ. وَالْعِبَارَةُ لِلشَّيْخَيْنِ: يُؤَجَّرُ الْمَوْقُوفُ عَلَى الْمُفْلِسِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةَ إلَى أَنْ يَفِيَ الدَّيْنَ , وَتَبِعَهُمَا الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى. وَلَمْ يَقُولُوا يُؤَجَّرُ مُدَّةً طَوِيلَةً تَرَاهُ شَاهِدًا لِمَا قَرَّرْتُهُ مِنْ رِعَايَةِ غَرَضِ الْوَاقِفِ دُونَ الْمُسْتَحِقِّ , وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَكَرُّرِ الْإِجَارَةِ , وَأُجِّرَ مُدَّةً طَوِيلَةً رِعَايَةً لِغَرَضِهِ مَعَ قُوَّتِهِ بِأَنَّ الْحَجْرَ يَدُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْفِيَ الدَّيْنَ عَلَى مَا فِيهِ , وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَلْتَفِتْ الْأَئِمَّةُ إلَى هَذَا الْغَرَضِ , وَيُجَوِّزُونَ الْإِجَارَةَ لِأَجْلِ ارْتِفَاعِ الْحَجْرِ مُدَّةً طَوِيلَةً تَفِي بِالدَّيْنِ , بَلْ أَوْجَبُوا أَنْ يُؤَجَّرَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ , وَإِنْ أَدَّى إلَى دَوَامِ الْحَجْرِ فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ خَالَفَ السُّبْكِيّ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ أَيْ: الْعَيْنُ الْمَوْقُوفَةُ مِمَّا تُؤَجَّرُ غَالِبًا لِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ يَغْلِبُ الْبَقَاءُ فِيهَا أُلْزِمَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ جُمْلَةَ تِلْكَ الْمُدَّةِ كَالْمَالِ الْحَاضِرِ عُرْفًا , وَتُضَافُ تِلْكَ الْأُجْرَةُ إلَى بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِ وَيُقَسَّمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَيُفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ. وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ يُؤَجَّرُ دَفْعَةً وَاحِدَةً بِأُجْرَةٍ مُعَجَّلَةٍ لَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ , خِلَافًا لِلشَّيْخَيْنِ قُلْتُ: لَا نَظَرَ لِمُخَالَفَتِهِ هَذِهِ فَإِنَّهُ نَفْسَهُ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا رَايٌ لَهُ وَلَمْ يَرَهُ مَنْقُولًا , وَإِذَا تَعَارَضَ رَايُهُ وَمَنْقُولُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا , قُدِّمَ الْمَنْقُولُ وَلَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الرَّايِ كَمَا هُوَ بَدِيهِيٌّ لِمَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ وَمَاخَذِهِ , فَتَأَمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَفِيهِ دَلَالَاتٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ صَرِيحَةٌ لِمَا قَرَّرْتُهُ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ دَلَالَةِ عِبَارَتِهِمْ عَلَى امْتِنَاعِ إيجَارِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هُنَا؟ قُلْتُ: صَرَاحَةُ عِبَارَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ لَا تَحْتَاجُ إلَى بُرْهَانٍ , وَكَفَاك شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ مُخَالَفَةُ السُّبْكِيّ الْمَذْكُورَةُ إذْ لَوْلَا أَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ لِلِاشْتِرَاطِ لَمَا قَالَ خِلَافًا لِلشَّيْخَيْنِ , وَلَمَا قَالَ عَمَّا قَالَهُ هَذَا مَا رَأَيْتُهُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا. وَأَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ فَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُمْ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطُوهَا فِي النَّاظِرِ بَيْنَ أَنْ يَشْرُطَ لَهُ الْوَاقِفُ الْعَمَلَ بِمَا يَرَاهُ وَأَنْ لَا , وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ اشْتِرَاطَ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِيهِ لَيْسَ لِحَظِّ الْوَاقِفِ فَحَسْبُ ; لِأَنَّ الْمِلْك انْقَطَعَ عَنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ صَارَ مِلْكًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , بِمَعْنَى أَنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ رَقَبَتِهِ اخْتِصَاصُ الْآدَمِيِّينَ , وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِلْكُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْحَقِيقَةِ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ , وَإِذَا صَارَ الْمِلْكُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ تَعَلُّقٌ بِمَنَافِعِهِ ; لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ النَّاظِرُ مُتَكَلِّمًا عَلَى الْغَيْرِ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ , فَلَا أَثَرَ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ , فَإِنْ قُلْتَ: شَرْطُ الْوَاقِفِ مُرَاعًى كَنَصِّ الشَّارِعِ قُلْتُ: مَحَلُّ مُرَاعَاتِهِ حَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ غَرَضَ الشَّارِعِ عَلَى أَنَّ شَرْطَهُ عَلَى النَّاظِرِ الْعَمَلُ بِمَا يَرَاهُ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُؤَجَّرُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَلَا مُدَّةً طَوِيلَةً , بِلَا مَصْلَحَةٍ ; لِأَنَّ إطْلَاقَهُ هَذَا يَجِبُ تَنْزِيلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَرَاهُ مِمَّا يُوَافِقُ غَرَضَ الشَّارِعِ , فَإِنْ صَرَّحَ بِعَمَلِهِ بِمَا يَرَاهُ , وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ ذَلِكَ كَانَ لَغْوًا يَجِبُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ. وَأَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ: فَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ , فَلَا يَسْتَلْزِمُهُ إذْ الْأَعَمُّ كَالْحَيَوَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ كَالْإِنْسَانِ , وَبِمَا ذَكَرْته أَفْتَى شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ خَاتِمَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ سَقَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثَرَاهُ , فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَافِعِيٍّ حَكَمَ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ فِي أَمَاكِنَ مَلَكَهَا الْبَائِعُ مِنْ وَالِدَتِهِ , وَثَبَتَ عِنْدَهُ التَّمْلِيكُ وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ أَيْضًا , فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حُكْمِهِ؟ (فَأَجَابَ) : بِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت